بعد أن تنازل له السوداني.. ما الذي يمنع الإطار من إعلان المالكي مرشحاً لرئاسة الوزراء.. ؟!

بغداد- العراق اليوم:

رأي جريدة الحقيقة

شكل إعلان رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني تنازله السياسي لصالح زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي مفاجأة كبيرة في الأوساط السياسية، وحدثاً صادماً حرك المياه الراكدة داخل الإطار التنسيقي، وفتح الباب واسعاً أمام أسئلة جوهرية تتعلق بواقعية هذا الترشيح، وإمكانية مروره حسابياً وسياسياً وداخلياً وخارجياً.

ورغم الزخم الإعلامي الذي رافق الخطوة، إلا أن القراءة الدقيقة لموازين القوى داخل الإطار التنسيقي تكشف أن المالكي، بوصفه زعيماً لحزب الدعوة الإسلامية، لا يمتلك عملياً سوى خمسة أو ستة مقاعد فقط، فيما توزعت بقية أصوات ائتلاف دولة القانون على حلفائه من قوى مثل حزب الفضيلة وتحالف كتائب سيد الشهداء وغيرها. وبالحسابات البسيطة، فإن هذا الرقم لا يؤهله حتى لنيل وزارة غير سيادية، فكيف يمكنه اجتياز “فلتر النقاط” داخل الإطار للحصول على منصب رئيس الوزراء، الذي يحتاج – وفق التقديرات – إلى ما لا يقل عن 30 نقطة؟

داخل البيت الشيعي، تبدو المواقف أكثر وضوحاً مما يُعلن في العلن.. فمثلاً تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم يتحفظ بشدة على عودة المالكي إلى رئاسة الوزراء، مستنداً إلى تجربة سياسية مريرة عاشها المجلس الأعلى وقتذاك خلال ولايتي المالكي السابقتين، وما رافقهما من أزمات سياسية وإدارية وأمنية كبيرة.

كما يبدي زعيم منظمة بدر هادي العامري تحفظاً واضحاً، لأسباب متعددة، أبرزها ضعف الوزن والثقل الحقيقي للمالكي داخل الإطار، والخشية من إعادة إنتاج حالة الاحتقان السياسي داخلياً، وفتح ملفات إشكالية على المستوى الإقليمي والدولي.

إلى جانب ذلك، توجد قوى أصغر داخل الإطار تبدي بدورها تحفظات غير معلنة، فيما استهلكت كتلة الصادقون قسماً كبيراً من نقاطها السياسية في الحصول على منصب نائب رئيس مجلس النواب، ولم يتبق لها هامش كافٍ للمناورة باتجاه دعم ترشيح المالكي لمنصب سيادي كبير.

خارج الإطار التنسيقي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. 

فعدم تعليق المرجعية الدينية على هذا الملف يُقرأ سياسياً على أنه موقف غير مشجع لإعادة تدوير تجربة المالكي. 

في المقابل، لا يزال التيار الصدري يرفع “الفيتو” بقوة ضد عودة أبي إسراء، وقد يتحول أي إعلان رسمي لترشيحه إلى تصعيد سياسي وشعبي واسع.

أما القوى السنية، التي خرجت للتو من توافقات شاقة حول منصب رئاسة مجلس النواب، فهي غير متحمسة لعودة المالكي، في ظل إرث طويل من التوترات السياسية معه، وعدم الثقة بإمكانية إدارة مرحلة توافقية جديدة تحت قيادته.

والموقف الكردي أكثر وضوحاً؛ إذ ترفض غالبية القوى الكردية تمرير المالكي، معتبرة أن عودته ستعمّق الانقسام بين السليمانية وأربيل، وتعيد إلى الواجهة صراعات المركز والإقليم، في وقت يسعى فيه الطرفان إلى تثبيت حالة من الاستقرار والتفاهم.

إقليمياً، برزت إشارات رفض وتحفظ خليجي، لا سيما من الجانب السعودي، عبّر عنها كتاب وإعلاميون بارزون قريبون من ولي العهد محمد بن سلمان، في ما يُفهم على أنه انعكاس لموقف رسمي غير متحمس بل ورافض لعودة المالكي. 

كما يظهر تحفظ تركي واضح، في حين يبدو الموقف الإيراني غير حاسم، لكنه يميل إلى تجنب تأزيم الساحة العراقية في ظل التحديات الداخلية التي تواجهها طهران، وحرصها على الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار الإقليمي.

أما الولايات المتحدة، فهي – بحسب المؤشرات – غير متحمسة لإعادة تشكيل حكومة برئاسة المالكي، وتفضل استمرار حالة الاستقرار النسبي التي تحققت خلال حكومة محمد شياع السوداني.

في مقابل هذه التعقيدات التي تحاصر ترشيح نوري المالكي، تبدو حظوظ محمد شياع السوداني أكثر قوة على المستوى الواقعي.

 فالسوداني يمتلك – وفق المعطيات المتداولة – ما يقرب من 51 مقعداً داعماً داخل الإطار التنسيقي، وهو رقم يمنحه أفضلية واضحة في معادلة النقاط السياسية، ويؤهله لتشكيل حكومة أكثر استقراراً وقدرة على التفاهم مع الشركاء في الداخل والخارج.

كما يُنظر إلى السوداني بوصفه الخيار المفضل لدى قوى مؤثرة داخل الإطار، مثل تيار الحكمة، وعصائب أهل الحق، ومنظمة بدر، فضلاً عن أطراف أخرى ترى في إعادة تكليفه مخرجاً عملياً من الإرباك الحالي، دون الدخول في مغامرة سياسية غير مضمونة النتائج.

كل هذه المعطيات تجعل مهمة المالكي في الوصول إلى رئاسة الوزراء شديدة التعقيد، إن لم تكن شبه مستحيلة، في ظل رفض وتحفظ داخلي، وحساسية إقليمية، وعدم حماسة دولية. 

وقد يجد المالكي نفسه في نهاية المطاف أمام خيار الاعتراف بصعوبة تمرير حكومة قادرة على الصمود والاستمرار وسط هذا الكم من الاعتراضات.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يشهد الإطار التنسيقي خلال الساعات أو الأيام المقبلة إعادة تموضع تدفع باتجاه محمد شياع السوداني كخيار نهائي لتشكيل حكومة مستقرة وقوية؟ أم أن المشهد سيفاجئ الجميع بسيناريو مختلف ربما لم يكن في الحسبان؟