ترامب يهزم.. وإيران تفوز بالانتخابات الأمريكية ..!

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة

فالح حسون الدراجي

انتهت الانتخابات النصفية الأمريكية المزلزلة، التي فاز فيها الحزب الديمقراطي على الحزب الجمهوري بالضربة القاضية، وهي الضربة التي لن يفيق منها الحزب المهزوم حتى بعد عشر سنوات .. وقبل أن نخوض في تفاصيل هذه الانتخابات، دعونا نتعرف على الرابح و الخاسر فيها ، الرابح والخاسر من القوى السياسية والشرائح الاجتماعية والكيانات الاقتصادية والعناصر التي كانت متضررة أو منتفعة من ترامب والجمهوريين قبل موعد الانتخابات.. وبدون شك، فإن الخاسر الأكبر من زلزال الانتخابات المدوي هو الرئيس ترامب. ليس لأن ترامب(جمهوري) وسيتأثر بهزيمة حزبه كما يفترض، إنما لأنه ( تاجر )، يتعامل مع جميع القضايا مهما كانت مهمة وخطيرة، بقياسات الربح والخسارة، وثقافة السوق السوداء، والتنافس المادي التي لا مكان فيها للقيم الأخلاقية والإنسانية.. فترامب لاتهمه خسارة الحزب الجمهوري واحتراق الجمهوريين، إذا لم تصله نارها وشرارها. لقد كانت هذه الهزيمة المدوية، هزيمة شخصية لترامب وأسرته وطموحاته، وتجارته ورهانه الذي سقط بفعل غروره وشرور أعماله.

فترامب كان يطمح مثلاً إلى فوز الحزب الجمهوري في هذه الانتخابات ليحقق رغبته بنيل ولاية ثالثة، وقد قالها الرجل بلسانه، وكرر تلميحاته بشأنها، رغم معرفته التامة باستحالة القبول بترشيحه، حيث يحظر التعديل الثاني والعشرون للدستور الأمريكي الترشيح لولاية رئاسية ثالثة، مهما كانت الأسباب.. لكن ترامب -  بتفكيره الأناني، وأفقه الضيق، ودعم واجتهادات أنصاره، لم يأبه لكل الموانع الدستورية، فراح يرسم مسارات وطرقاً ملتوية للوصول إلى هذا الهدف المستحيل، حتى أن النائب الجمهوري المنتفع " أندي أوغليز "طالب بترشيح ترامب في الكونغرس دون حرج، وأيّده ترامب نفسه، حين صرح للإعلام أن الأمريكيين يطالبونه بالترشيح لولاية ثالثة ..!

لقد سقط هذا الأمل وبقية الآمال والطموحات الفردية التي وضعها ترامب في بنك حساباته، مع سقوط أنصاره وأتباعه في الانتخابات النصفية.. وحتماً أن سيطرة الحزب الديمقراطيي على غرفتي الشيوخ والنواب في الكونغرس، ستكون أبرز مصائب ترامب خلال السنتين المتبقيتين من ولايته الرئاسية.. إذ سيصبح رئيساً بلا سلطة فعلية ( في وضع يُعرف بـ "البطة العرجاء") .. ولعل الهزيمة الأكبر برأيي تلك التي تتمثل بسقوط الفكرة العنصرية والتمييزية التي أطلقها ترامب عبر حملاته الانتخابية السابقة، وتلقفها أتباعه وتم تنفيذها في فترة رئاسته الحالية بأغلب المطارات والمراكز الحدودية وشوارع المدن الأمريكية المختلطة، حتى بات المواطن الأمريكي من ذوي الأصول العربية أو الآسيوية أو المكسيكية يعيش في رعب كلما وقف أمام ضابط الجوازات رغم سلامة مستمسكاته ! ..

لذا فإن هزيمة المرشحين الجمهوريين المدعومين من ترامب، مثل المرشح (كين باكستون) الذي خسر بولاية تكساس أمام جيمس تالاريكو .. هو في الحقيقة هزيمة للأفكار العنصرية الشوفينية (الترامبوية) قبل أن تكون هزيمة لمرشحين عاديين، يقابلها فوز باهر لمرشحين ناصبهم ترامب العداء وموّل الحملات المعادية لهم، مثل المرشح الديمقراطي المسلم - المصري الأصل- عبد الرحمن السيد، وغيره من المرشحين المسلمين .

وعدا ترامب، ثمة خاسرون كثيرون في هذه الإنتخابات مثل الكيان الصهيوني، الذي أصبح اليوم مثل ( الكلب الأجرب ) الذي يبتعد عنه المواطنون، ويتبرأ منه السياسيون في امريكا، بعد أن كان الولاء لإسرائيل شهادة عبور إلى الكونغرس الأمريكي، والمواقع العليا الأخرى.. وأول المتبرئين هو ترامب قبل غيره.. 

ولعل من الخاسرين أيضاً رجال المال القريبون من ترامب، خصوصاً الذين موّلوا مرشحي الحزب الجمهوري بعشرات الملايين من الدولارات، إرضاءً لترامب ومشاريعه، ومنهم الملياردير ماسك.. إضافة إلى أغلب تجار الأسلحة والصناعات الحربية، والمضاربين في البورصة، الذين يشتركون مع ترامب في ملايين الأسهم، خاصة اولئك الذين تصلهم الإشارات من الرئيس الأمريكي قبل يوم من العطلة الأسبوعية، وقد تجلى ذلك في الحرب الأمريكية الإيرانية.. أما الخاسرون (خارجياً)،

فالمجرم نتنياهو، يعد أول المفجوعين بهزيمة ترامب، فضلاً عن بوتين- صديق ترامب-الذي سيكون واحداً من أكبر الخاسرين من هذا الزلزال الانتخابي المدمر، وهناك خاسرون صغار وكبار في الداخل والخارج لايسع المجال لذكرهم هنا

أما الرابحون في الداخل والخارج من خسارة ترامب، فيأتي المواطن الأمريكي البسيط، الذي يعاني من ارتفاع تكاليف المعيشة، أول وأبرز الرابحين من هذا الزلزال، فهذا الذي يكدح ليلاً نهاراً دون أن يتمكن حتى من توفير لقمة عيشه بسبب غلاء المعيشة، كان صوته الانتخابي الرافض لمرشحي الحزب الجمهوري، بمثابة الرد الأمثل على سياسة ترامب..

أما الأقليات في المجتمع الأمريكي، مثل المسلمين، والعرب، والمكسيكيين، وذوي البشرة السوداء وغيرهم، فهم الذين عانوا من سياسة ترامب وإدارته التمييزية والعنصرية، وهم الذي صنعوا بأصواتهم الانتخابية هذا الانتصار على مرشحي ترامب، لذلك هم الأحق بالابتهاج لهزيمة المرشحين الجمهوريين..

أما خارجياً فهناك أكثر من طرف سيفرح لهزيمة حزب ترامب الجمهوري، وأولهم تأتي ايران، التي كانت حرب ترامب عليها أحد أبرز عوامل واسباب هزيمة الحزب الجمهوري، وقد اعترف بذلك ترامب ونائبه فانس علناً.

لذلك فإن لإيران الحق بالفرح والاحتفال بفوز خصوم عدوهم .. وهنا يجدر بنا الإشارة الى أن هزيمة مرشحي الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية تعد فوزاً إيرانياً.. رغم أن الإيرانيين لم يقولوا ذلك، ولم يدّعوا بما يدعيه الآخرون، بل ولم يعطوا هذا الحدث أكثر من حقه، رغم أهميته لديهم، والسبب أن الإيرانيين واقعيون، وعقلانيون جدا فهم يدركون أن الحزب الديمقراطي ليس أقل حماساً واندفاعاً من الحزب الجمهوري في موضوعات الحرب وفرض الحصارات وما شابه ذلك، والتاريخ القريب يشهد على أمثلة عديدة لقادة الحزب الديمقراطي، حينما تولوا رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، وقاموا بأنشطة حربية وعدوانية عديدة.. وإذا كنا نقر ونعترف بنجاح سياسة إيران في ادارة المعركة، خصوصاً في غلق مضيق هرمز، الذي أربك السوق الأمريكية، وأتعب الاقتصاد العالمي، وأصبح السبب الرئيسي في ارتفاع الأسعار، وخسارة مرشحي الحزب الجمهوري كل هذه الخسارة الثقيلة، فإن علينا أن نقر ونعترف أيضاً أن صبر وصمود الشعب الإيراني قد أسهما ضمناً في فوز خصوم ترامب في هذه الانتخابات المفصلية.. وهنا يتوجب القول إن الديمقراطيين، رغم علاقتهم الودية مع ايران، ليسوا (ملائكة) قطعاً، ولا يختلفون عن الجمهوريين اختلافاً جوهرياً، فكلاهما له أنياب ذئبية، وفُكوك ( جمع فك) مفترسة، وقد يسمح الديمقراطيون لاحقاً بما لم يسمح به الجمهوريون لترامب في حربه على ايران. لذا يجب على الإيرانيين الانتباه والحذر وعدم الاطمئنان للتاريخ الذي جمع يوماً بين اوباما وقادة ايران.. نعم يحق للإيرانيين الاحتفال بفوزهم في انتخابات أميركا رغم أني أعتبر الفوز المطلق لإيران في اليوم الذي تنتهي فيه الحرب، ويسقط الحصار، ويعود الشعب الإيراني لاستخدام امواله وخيراته مثل بقية شعوب العالم، ويندحر مشروع نتنياهو الصهيوني، وتنتصر، فكرة الدولتين ..وقطعاً فإن هذا اليوم لن يكون بعيداً أبداً .. 

ختاماً، ثمة أطراف، سعدت أيضاً بهزيمة ترامب يجب ذكرها، مثل كوبا، التي هددها ترامب باجراءات عسكرية واقتصادية قد تصل إلى إسقاط نظامها الإشتراكي، بمجرد انتهاء الانتخابات النصفية،وهناك كندا والمكسيك وفنزويلا والبرازيل، ورئيس اوكرانيا، وأغلب دول أوربا التي تمنت هزيمة ترامب..!

فتحققت أمنيتها.. 

لقد أفرزت هذه الانتخابات أن الشعب الأمريكي، مهما كان رأيك فيه- لن يسمح لطاغية مجنون، وشخص محتال، فهلوي، باختطاف العالم، ووضع البشرية بين فكي حرب عالمية ثالثة. لقد فعلها الناخب الأمريكي حين أدرك أن صوته مهم وحاسم، وعليه أن يكون بمستوى المسؤولية، فكان.