بغداد- العراق اليوم:
افتتاحية جريدة الحقيقة
فالح حسون الدراجي
قد يحيلكم عنوان مقالي هذا إلى عنوان رواية «من قتل حكمت الشامي» للروائي جمعة اللامي، التي صدرت قبل ثلاثة عشر عاماً. لكن الفرق بين العنوانين أن «مقتل حكمت الشامي» حدث رمزي، رُسم في عالم من الخيال والفنتازيا، وظهر في نص روائي فني لا وجود فيه لأي ملامح بوليسية أو قوالب تقليدية، إنما هو، باختصار، عمل أدبي باهر، يمزج الأسطورة بالواقع الاجتماعي والسياسي. في حين أن مقتل شمران الياسري «أبو گاطع» فعل حقيقي وواقعي، تمّ إثر حادث سير «مدبّر»، في 17 آب 1981، أثناء توجهه لزيارة ابنه في أوروبا، بين براغ وبودابست. وكان الغرض من الزيارة توديع ولده جبران قبل أن يسافر إلى كردستان العراق، للالتحاق بحركة الأنصار الشيوعية المسلحة، والعمل في إذاعة «صوت الشعب العراقي» التابعة للحزب الشيوعي العراقي، التي كانت تبث من جبال كردستان العراق. وقد وجّهت أصابع الاتهام منذ ذلك الحين إلى المخابرات العراقية دون غيرها. وسبب هذا الاتهام لا يعود فقط إلى أن الراحل شمران الياسري كان معروفاً بشدة معارضته لنظام صدام الدكتاتوري، ولا إلى تصلب مواقفه السياسية المناوئة لسلطة البعث فحسب، إنما أيضاً لأن قرار عودته الفعلية إلى العراق، وانضمامه إلى ماكينة الإعلام الوطني الشيوعي المعارض، كان سيؤثر تأثيراً سلبياً بالغاً على آلية الإعلام الحربي الصدامي بشكل خاص، وفي صورة النظام أمام العالم بشكل عام، ولا سيما أن نظام صدام كان وقتها يحاول جاهداً، عبر دفع الأموال لمرتزقة الإعلام العربي، أو إرشاء وشراء ذمم الإعلام الأجنبي، رسم صورة مغايرة لصورة نظامه الكالحة في الداخل والخارج. فضلاً عن ذلك، كانت لدى مسؤولي النظام قناعة بأن عودة شمران الياسري إلى الميدان الإعلامي، عبر البوابة الميدانية لإعلام المعارضة العراقية ستكون بمثابة المصيبة التي ستقع على رؤوسهم دون شك. فأبو گاطع، كما معروف، لم يكن إعلامياً عادياً، ولا كاتباً صحفياً مثل سواه، إنما كان عقلاً سياسياً وإعلامياً وثقافياً كبيراً، وخبيراً من الطراز الرفيع في مخاطبة الجماهير الشعبية، سواء بقلمه، أو بلسانه الصريح. وكان يمتلك أسلوباً ساحراً وعمقاً اجتماعياً وثقافياً مؤثراً، يساعدانه في كسب قلوب الناس وعقولهم من دون استئذان. وكان لأبي گاطع، فضلاً عن كل ذلك، ميزة القبول الفائق لدى مختلف الأوساط العراقية، بما فيها أوساط (الطبقات الأخرى). ولم تكن محدودية مساحة بث إذاعة "صوت الشعب العراقي"، تقلل من هذا التأثير، لأنها، في الحقيقة والواقع، مؤثرة ومسموعة في قطاعات وأماكن عراقية عديدة. وهنا أود الحديث عن نقطة مهمة لها علاقة باغتيال الشهيد شمران الياسري. في ظروف الحرب العراقية الإيرانية الصعبة والثقيلة على نظام صدام حسين، إذ دأبت مديرية الأمن العامة العراقية، بين فترة وأخرى، على بث إشاعات معينة تظن أنها تخدم سياسة النظام الحاكم، وتقلل من ردود الأفعال السلبية الرافضة لأفعاله الإجرامية. ومن بين هذه الإشاعات دعاية مفادها" إن الفنان فؤاد سالم تبرع بمبالغ مالية لدعم الجيش العراقي في حربه مع إيران آنذاك، وقد سلّم تبرعه إلى السفارة العراقية بالكويت"، حيث كان يقيم آنذاك. ولعل الملفت، أنهم دعموا هذه الإشاعة بالسماح ببث أغنياته من الإذاعة العراقية لفترة قصيرة، بعد أن كان بثها ممنوعاً تماماً. وأظن أننا نتذكر ذلك حتماً. لكن فؤاد سالم كان أذكى منهم؛ إذ سرعان ما دحض هذه الإشاعة وأسقطها في مهدها، بمغادرته الكويت، وقيامه، حالاً، بتسجيل أغنية صريحة ضد النظام الصدامي، فأفسد وأفشل بذلك دعايتهم الرخيصة. لقد تنبه فؤاد سالم إلى هذه اللعبة، وأدرك أن حياته باتت في خطر. وما بث هذه الإشاعة، إلا محاولة مخابراتية لإعطاء انطباع يفيد أن فؤاد سالم مؤيد للنظام- وإذا ما قتل- فإن الشبهات ستكون حتماً بعيدة عن نظام صدام، باعتبار أن الفنان قد تبرع للحرب ودعم آلتها، و لم تعد ثمة مشكلة بينه وبين سلطة البعث.. لا سيما أن المخابرات العراقية كانت تصول وتجول في الساحة الكويتية آنذاك، فتقتل من تشاء وتخطف من تشاء دون رادع لها. وليس سراً أكشفه اليوم لو قلت إن الفنان، والصديق، فؤاد سالم أخبرني شخصياً بهذه التفاصيل في مدينة ديترويت، حين كنا نلتقي يومياً قبل ثلاثين عاماً. وقبل إشاعة فؤاد سالم، كانت مديرية الأمن العامة قد أطلقت إشاعة مشابهة أيضاً في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، مفادها وفاة الكاتب والصحفي والروائي الشيوعي شمران الياسري «أبو گاطع» بحادث مروري في براغ، حيث كان الرجل ينوي زيارة ولده جبران في هنغاريا، ليودعه قبل أن يعود إلى العراق ويساهم إعلامياً في دعم نظام صدام بحربه مع إيران.. نعم هكذا أشاعوا ! لكن هذه الإشاعة لم تصمد هي الأخرى سوى أيام معدودة، لتظهر الحقيقة بعد أن نُقل جثمان «أبو گاطع» إلى لبنان، وشُيّع ودُفن في مقبرة الشهداء في بيروت، وأُطلقت إحدى وعشرون طلقة تحية حب ووداعاً للشهيد شمران الياسري من قبل الثورة الفلسطينية. ثم قامت أغلب الصحف البيروتية بنشر الخبر الحقيقي، الذي يقول إن «أبو گاطع» استشهد في حادث مخابراتي ( مدبّر) ، أثناء ذهابه لزيارة ولده، وتوديعه قبل أن يعود إلى كردستان العراق للعمل في الإذاعة السرية للحزب الشيوعي العراقي، المسمّاة «إذاعة صوت الشعب العراقي»، التي أُعيد افتتاحها في كردستان العراق..! إذن، ظهرت الحقيقة، وكشف المستور .. وهنا يحضر السؤال الباحث عن العلاقة بين إشاعة «تبرع فؤاد سالم» وإشاعة «عودة شمران الياسري إلى العراق لدعم حرب صدام مع إيران». والجواب على هذا السؤال يأتي في ثنايا الحديث الذي دار وقتها بيني وبين أحد الرموز الثقافية والإعلامية الكبيرة في العراق. - وعذراً عن عدم ذكر اسمه،فالرجل توفي قبل حوالي عشر سنوات، ولم تعد هناك جدوى من ذكر اسمه الان- وأذكر أني سألته وقتها عن سبب إطلاق مديرية الأمن العامة هاتين الإشاعتين وغيرهما، وما الفائدة من ذلك؟ فقال بصوت خفيض: لقد أرادوا من وراء إشاعة فؤاد سالم، وإطلاق إشاعة أبي گاطع، تهيئة الأرضية الإعلامية والنفسية الكافية لتنفيذ مخطط اغتيالهما من دون أي تبعات، أو اتهامات، أو ردود أفعال، سواء بين العراقيين في الداخل، أو المجتمع الدولي، لكن الظروف خَدَمت فؤاد سالم، فهرب من موقع الجريمة في الأراضي الكويتية قبل تنفيذ الفعل الإجرامي، بينما لم تخدم الظروف «أبا گاطع» فاستشهد في حادث السير، قبل أن يغادر مكان وزمان الجريمة المخابراتية. لقد كان النظام الصدامي يظن أن اغتياله لشمران الياسري بحادث سير سوف ينطلي على الشعب العراقي وقواه الوطنية، ويمر على الرأي العام العالمي بيسر، لكن مخطط الشر لم يمر، فقد انفضح «السر» الجهنمي، وانكشفت لعبة الفاشية البعثية، وأصبح العالم يتحدث بصوت عالٍ عن جريمة «السير» هذه، وعن الأصابع المخابراتية الصدامية التي نفذته بدقة، والخطة المحكمة التي تم فيها اغتيال أحد أشرف وأعلى الأصوات الوطنية والتقدمية العراقية. وإذا كانت الثقافة العراقية والإنسانية قد خسرت رمزاً فذاً من رموزها باستشهاد شمران الياسري، فإن نظام البعث الصدامي قد خسر بقية رصيده، بارتكابه هذه الجريمة الثقيلة، فهي لعمري خسارة باهظة لنظام كان بحاجة لثقة العالم في تلك السنين.. إذ ليس سهلاً اغتيال قمر عراقي منير مثل أبي گاطع، لذلك فقد العالم ثقته بهذا النظام، ولم يعد أحد يصدق بروايات النظام الصدامي الدموي والكاذب حتى لو كانت صحيحة .. ! واليوم ، في الذكرى الخامسة والأربعين لاستشهاد سيد الكلمة الشعبية، شمران الياسري، لكم أن تقارنوا بين نظام همجي يُضرَب تمثال رئيسه بأحذية الجماهير، وبين مثقف وكاتب عراقي محبوب، سمّت الجماهير الشعبية شارعاً باسمه، ولا يبعد هذا الشارع عن تمثال الطاغية سوى أمتار قليلة. فأية مصادفة رائعة هذه ؟! لذا، ليس غريباً أن نحتفي بعطر مئويته، ونستذكر أيضاً استشهاده، بينما تمر الجماهير على مبنى مديرية الأمن العامة الصدامية، فلا يلتفت إليه أحد، إلا ويلعن الظروف التي أتت بهذا النظام، وبهذه العصابة الإجرامية، الدموية ...
*
اضافة التعليق
ثلاثة، لا أرد على شتائمهم !
العريف عليوي واشتراكية خير الله طلفاح ..!
على (طريق الحسين) .. مشى جيفارا وبقية الثوار
بعكازين، و ( ميكروفون ).. البطل وليد حبوش يدحر اليأس ويقهر المستحيل
بلا وداع ولا مشيعين .. فاروق هلال يمضي إلى مثواه الأخير حزيناً ومقهوراً
هل اليساري شيوعي، أم الشيوعي يساري .. وما الإختلاف بينهما ؟!