هيئة النزاهة الاتحادية.. كيف وصلت ملاحقة "الرؤوس الكبيرة" إلى مرحلة غير مسبوقة؟

رأي العراق اليوم  

لم تعد ملفات الفساد في العراق تقتصر على صغار الموظفين أو المخالفات الإدارية المحدودة، بل اتجهت هيئة النزاهة الاتحادية خلال الفترة الأخيرة إلى فتح ملفات معقدة طالت مسؤولين كبارا وشبكات متخصصة باستغلال المال العام، في مؤشر على تصاعد وتيرة المواجهة مع ما يُعرف بـ"الحيتان الكبيرة" التي ظلت لسنوات بعيدة عن المساءلة. 

وشهدت الأشهر الماضية سلسلة من العمليات النوعية التي أعلنت خلالها الهيئة  إحالة مسؤولين رفيعي المستوى إلى القضاء، وإصدار أوامر قبض واستقدام بحق شخصيات شغلت مواقع تنفيذية وإدارية مهمة، إلى جانب كشف محاولات للاستيلاء على مبالغ مالية ضخمة عبر وثائق وصكوك مزورة، فضلاً عن الإطاحة بشبكات متورطة في قضايا اختلاس وهدر للمال العام. 

تؤكد هذه الإجراءات أن عمل الهيئة بات يركز على القضايا ذات الأثر المالي الكبير، وليس على المخالفات التقليدية فقط. 

ويعكس هذا المسار تحولًا في آليات مكافحة الفساد، إذ تعتمد الهيئة على التحقيقات الفنية، وجمع الأدلة، والتنسيق مع الجهات القضائية والرقابية، بما يهدف إلى بناء ملفات قانونية متماسكة يمكن أن تصمد أمام القضاء. 

كما أن تشكيل فرق تحقيق متخصصة لمراجعة العقود الحكومية الكبرى عزز من قدرة الأجهزة الرقابية على تتبع المخالفات وكشف شبكات الفساد التي تعمل بأساليب معقدة. 

ويرى مراقبون أن نجاح أي حملة لمكافحة الفساد لا يقاس بعدد بيانات القبض أو الإحالات فحسب، وإنما بقدرتها على استرداد الأموال العامة، وإصدار أحكام قضائية بحق المتورطين، ومنع تكرار المخالفات عبر تطوير منظومة الرقابة والشفافية داخل مؤسسات الدولة.

وفي ظل استمرار الإعلان عن قضايا جديدة، تبدو هيئة النزاهة الاتحادية أمام اختبار حقيقي للحفاظ على زخم هذه الحملة، ومواصلة ملاحقة جميع المتهمين دون تمييز، انطلاقًا من مبدأ أن سيادة القانون لا تستثني أي منصب أو جهة. ويظل نجاح هذا النهج مرهونًا باستمرار التعاون بين الهيئة والسلطة القضائية والأجهزة الرقابية الأخرى، بما يعزز ثقة المواطنين بأن مكافحة الفساد أصبحت مسارا مؤسسيا مستمرا، يستهدف حماية المال العام وترسيخ مبادئ النزاهة والمساءلة في مؤسسات الدولة.