بغداد- العراق اليوم:
افتتاحية جريدة الحقيقة
فالح حسون الدراجي
حين يَدْلَهِمُّ الليل، وتشتد الظلمة عتمةً وخطورة، ويصبح طريقه صعب المسار، بحيث يكون المرور منه مغامرة، هنا سيفتقد الناس " البدر"، دون شك، ويتذكرون ضوءه وسطوعه وحضوره وأمنه وأمانه، ويزداد تذكره واستذكاره كلما قلّت فرص النجاة، وازدادت ضغوط التحدي، وغرقت الحياة في بحر من الظلام الدامس.. أما لماذا البدر وليس غيره، فالجواب: لأن البدر يمثل اعلى مراحل اكتمال القمر، والأشد نوراً وسطوعاً في جميع الأطوار القمرية، أو "الفصيلة القمرية" إذا جاز لي التعبير .. لذلك وصف الشاعر والفارس العربي ابو فراس الحمداني نفسه بـ ( البدر ) الذي سيفتقده قومه في الليلة الظلماء، فقال في قصيدته الشهيرة: أراك عصيَّ الدمع" بزهو وفخر هذا البيت الشعري : " سيذكرني قومي إذا جدّ جدهمُ.. وفي الليلة الظلماء يُفتقدُ البدرُ " ..! لقد صار هذا البيت مثلاً يضرب عند التعبير عن قيمة الأشخاص أو الأشياء العظيمة التي لا تُعرف أهميتها ومكانتها الحقيقية إلا في أوقات الشدة، وعند الحاجة الملحة و الماسة، تماماً كالبدر الذي لا تشتد الحاجة لنوره إلا في أشد الليالي ظُلمةً وعتمة .. واليوم يحق لشعبنا العراقي أن يتذكر بدراً عراقياً مضيئاً لم يشبع من نوره للأسف، بعد أن ابتلعه ( حوت ) الفاشية البعثية عبر مؤامرة دنيئة اشتركت فيها أجهزة الشر والعدوان القريبة والبعيدة، ولم يكن هذا البدر سوى الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم قائد ثورة الرابع عشر من تموز 1958 التحررية التي يحتفل شعبنا العزيز بذكرى انبثاقها هذه الأيام المباركة.. اما لماذا عبد الكريم قاسم دون غيره من كل الزعماء والقادة الذين مروا على العراق عبر عصور التاريخ القديم والحديث.. وقد يأتي هذا السؤال على لسان أحد أبناء جيل جديد لم يتعرف على الزعيم قاسم، ولم يعش تجربة حكمه الوطني، أو يقرأ شيئاً عنها، أو ربما تلقى معلومات مزيفة ومشوهة عن حقبة الزعيم البيضاء .. وقبل أن أجيب عن السؤال، دعوني أقول شيئاً بسيطاً للتاريخ .. الزعيم قاسم لم يكن بدراً فقط، فيفتقد في الليلة الظلماء فحسب، إنما كان بدراً وقمراً وشمساً ونجماً يضيء أرض العراق وسماءه طيلة السنوات الأربع والأشهر الستة التي ظهر فيها.. فقد كان منجزه ونزاهته وعدله، نوراً ينتشر في أرجاء الوطن بكل مدنه وأقوامه وتنوعه ومذاهبه، فيحيل بسطوعه المنير ليل العراق الطويل إلى نور ونهار ومساواة وأمان وحب وسلام وآمال خضر .. لذلك صار العراقيون يفتقدونه في كل ليلة ظلماء حالكة، وفي كل منعطف تاريخي مظلم يمر به بلدنا الصابر، ويتذكرونه في كل محنة سوداء تمر بها بلادنا.. وما أكثر الليالي المظلمة التي مر ويمر بها العراق، وما أشد المحن القاسية التي تعرض، و يتعرض لها شعبنا منذ أن سقطت " دولة العدل والنزاهة القاسمية" العام 1963 حتى اللحظة؟ إن استذكار واستحضار نور عبد الكريم قاسم في عتمة الليالي الحالية، أمر طبيعي لأن ثورة الرابع عشر من تموز وقائدها الزعيم عبد الكريم قاسم لم يكتفيا بإسقاط ليل طويل فرضه نظام عميل خائن مرتبط بالاستعمار فقط، إنما شيّدا فوق ركامه هرماً عالياً من أروع المنجزات الحضارية المختلفة، حتى غدا البناء جبلاً شاهقاً لا تخطئه العين المحايدة، كما وضعا حجر الأساس لبناء مستقبل زاهر للعراق، لكن تحالف الأعداء والحاقدين والحاسدين، وبدعم من مطاياهم في الداخل والخارج ( العروبي) أوقف هذا البناء الباهر، بل وأسقطه في غفلة وسقطة وطنية لا تغتفر ابداً ..! لذلك لم ينسَ العراقيون (بدرهم ) ومنارهم الساطع عبد الكريم قاسم، رغم مرور أكثر من ستة عقود على غيابه، وصاروا يقارنون بينه وبين أي زعيم عراقي أو عربي آخر، حتى أصبح اسمه الطاهر فاصلاً بين الحق والباطل، وحكماً بين ظلام الليل وأنوار النهار، بين الظلم والعدل، والحب والكراهية.. وبين النزاهة والفساد، إذ ما أن يقال إن الزعيم الفلاني (عادل) حتى يقارن حالاً بعدل الزعيم قاسم، وما أن يقال إن الرئيس فلان الفلاني نزيه وشريف حتى يأتي السؤال: وهل هو بنزاهة ونصاعة وشرف الزعيم عبد الكريم. واليوم وفي كل يوم يتذكر العراقيون، بل ويفتقدون نزاهته، خاصة وهم يرون ( قادة ) فاسدين يتصدرون المشهد السياسي العراقي، وبعضهم يتربع على سدة الحكم، وأنا هنا لا أقصد قادة اليوم تحديداً، إنما الأمر يشمل قادة وزعماء سابقين ولاحقين تصدروا مشهد الزعامة منذ سنوات بعيدة. ولاعجب أبداً لو تذكر العراقيون زهد الزعيم قاسم، وهم يرون زعماء يستخدمون الملاعق والأواني والمغاسل والأقلام الذهبية المصنوعة كلها من الذهب الخالص ..! كيف لايتذكرون عبد الكريم ويفتقدونه وهم يرون بام أعينهم زعماء بلادهم يمنحون أقاربهم الأراضي الشاسعة مجاناً أو بثمن بخس، ويهبون القصور الفخمة بلا حق، والمناصب العالية بلا أدنى استحقاق، بينما الزعيم قاسم رفض طلباً لشقيقته بمنحها قطعة أرض سكنية، قائلاً لها وهو يصطحبها إلى منطقة السدة الشرقية، حيث هناك آلاف الصرائف: ستستلمين قطعة أرض بعدما يستلم هؤلاء الفقراء أرضهم، ويشيدون فوقها بيوتاً تليق بالسكن البشري.. إن هؤلاء الكادحين أحق منك بالأرض يا شقيقتي..! إنه عبد الكريم قاسم، القديس الذي رفض مرات عديدة أن يمنح أي امتياز أو استثناء لأقاربه ومعارفه سواء بالقبول في الكليات أو بفرص التعيين في مواقع الدولة الوظيفية، بما في ذلك أبناء أخويه وأبناء أختيه، والوقائع والتاريخ يشهدان بأن الرجل أبقى أفراد عائلته بعيدين عن موقع عمله، فلا سائقه ولا مرافقه، أو حراسه، ولا أي موظف من موظفي مكتبه يرتبط به بعلاقة قربى أو حتى معرفة اجتماعية، بدءاً من مواقع وزارة الدفاع حيث كان يدير الدولة من هناك، وانتهاءً بمناصب السفارات. لذلك أحبَّ العراقيون عبد الكريم قاسم، بل وعشقوه عشقاً، حتى أنهم لم يصدقوا، ولم يرتضوا بتاتاً بفكرة (مقتله)، رغم أن جوق الإنقلابيين البعثيين عرض صور ( إعدامه) على شاشة التلفزيون !! ومن فرط حبهم له، حاول بعضهم تصديق رواية متداولة مفادها أن الزعيم حيٌ يرزق حتى هذه اللحظة متنكرٌ بزي فارسي، وبلحية طويلة، يطوف في مرقد الإمام الرضا بإيران.. أو أنه يقيم في (موسكو) حسب رواية حجي كاظم، الذي يقول إن المخابرات السوفياتية هرَّبته (بليلة ظلمة) باردة، بعد أن حملته طائرة روسية مقاتلة، وغادرت به سرَّاً ..!! وذاكرتي لم تزل تحتفظ بمشهد وقوف الناس-ومن بينهم والدي رحمه الله - لساعات عديدة في ليالي شباط القارس، وهم ينتظرون ظهور صورة الزعيم في القمر .. ! ومهما يحق لك القول عن ( عقلية) الناس وتفكيرهم، لكنك لا تملك الحق قطعاً في أن تشكك بصدقية حبهم العظيم، واشتياقهم الأعظم له .. وسيزداد هذا الحب، وهذا الإشتياق، كلما سقط زعيم أو قائد سياسي في مستنقع الفساد ونهب المال العام، وكلما طمس في وحل الظلم والكره والدم والتمييز، وطبعاً فإن العراقيين سيتذكرون حتماً الفارس عبد الكريم قاسم كلما أخرجوا زعيماً دكتاتوراً من ( حفرة ) عار جديدة..!
*
اضافة التعليق
ماذا لو يعود الشهداء العراقيون هذا الأسبوع أيضاً ؟!
لا أمريكي .. ولا إيراني .. اعتقال الفاسدين قرار عراقي قح ..
عساها بحظ سولاقا ..!
من ( كميت ) إلى ( كاليفورنيا ).. صورتان مختومتان بدمعة غالية ..
ماذا دهاكم أيها العراقيون، ولم كل هذه القسوة على أسود الرافدين؟!
فيلم سينمائي وحلم شخصي يتحققان في أمريكا ..!