مشروع اعدادية الصناعة العسكرية العراقية خطوة استراتيجية لبناء جيش تقني حديث

بغداد- العراق اليوم:

بقلم الفريق الركن احمد الساعدي

إن بناء الجيوش الحديثة لم يعد يعتمد على كثرة الأفراد أو حجم التسليح فقط بل أصبح قائماً على امتلاك العقول الفنية والتقنية القادرة على تشغيل وإدامة وتطوير المنظومات العسكرية الحديثة ولهذا فإن العراق اليوم بحاجة حقيقية إلى مشروع وطني استراتيجي يعيد بناء القاعدة الفنية للقوات المسلحة من خلال إنشاء اعدادية متخصصة بالصناعة العسكرية تكون نواة لإعداد جيل عسكري تقني محترف يخدم المؤسسة العسكرية لعقود طويلة .إن الفكرة تقوم على تأسيس اعدادية عسكرية تقنية تستقبل خريجي الدراسة المتوسطة من جميع المحافظات العراقية وفق ضوابط دقيقة تعتمد المعدل والكفاءة والانضباط والقابلية العلمية والفنية ويكون الحد الأدنى للقبول معدل ٧٥٪ مع إخضاع الطلبة لفحوصات طبية وبدنية واختبارات ذكاء وقدرات تقنية لضمان اختيار عناصر تمتلك القابلية على التطور والعمل داخل المؤسسات العسكرية الحديثة .وتكون مدة الدراسة ثلاث سنوات تجمع بين التعليم الأكاديمي والتدريب العسكري والانضباط المهني داخل الورش والمختبرات والمعامل الفنية ويُمنح المتخرج بعدها رتبة نائب ضابط ضمن اختصاصه الفني ليكون جاهزاً للعمل داخل صنوف القوات المسلحة المختلفة مع إمكانية إكمال دراسته الأكاديمية والعسكرية مستقبلاً وفق حاجة المؤسسة العسكرية . ويُفضل أن تبدأ التجربة بإنشاء مدرسة مركزية واحدة تتبع وزارة الدفاع ويتم اختيار موقعها ضمن منطقة وسطية من العراق تتيح لجميع الشباب العراقي سهولة الوصول إليها وتكون قريبة من طرق النقل الرئيسية مع توفير مجمع متكامل يضم الأبنية الدراسية والأقسام الداخلية وسكن المعلمين والمشرفين والورش والمختبرات والملاعب والمراكز الصحية والخدمية لضمان توفير بيئة تعليمية وعسكرية متكاملة .

أما الاختصاصات التي يمكن أن تضمها هذه الاعدادية فهي تمثل العمود الفقري لأي جيش حديث وتشمل هندسة الطائرات وصيانة المحركات والمنظومات الإلكترونية والطائرات المسيّرة وهندسة العجلات العسكرية الخفيفة والثقيلة وهندسة الدروع والدبابات وأنظمة الحماية والتسليح إضافة إلى هندسة الصواريخ والمدفعية والإدامة الفنية لمنظومات الإسناد الناري .كما ينبغي أن تتضمن الدراسة اختصاصات الهندسة المدنية والإنشائية الخاصة ببناء المعسكرات والتحصينات والجسور والمنشآت العسكرية إلى جانب تخصص الأمن السبراني الذي أصبح من أهم ميادين الحروب الحديثة حيث تعتمد الجيوش المتقدمة اليوم على الحرب الإلكترونية وحماية الشبكات العسكرية ومنظومات القيادة والسيطرة من الاختراق والهجمات السيبرانية . ويأتي أيضاً تخصص هندسة الحاسبات والاتصالات كأحد أهم المفاصل الحيوية داخل القوات المسلحة لما له من دور في تشغيل شبكات الاتصال وأنظمة المراقبة والسيطرة والرادارات والتقنيات الرقمية الحديثة التي أصبحت تشكل أساس العمل العسكري المعاصر . إن هذا المشروع لا يمثل مجرد مؤسسة تعليمية بل يعد خطوة استراتيجية لإعادة بناء العقل الفني العسكري العراقي وتقليل الاعتماد على الخبرات الأجنبية وخلق قاعدة وطنية من الكفاءات التقنية القادرة على دعم الصناعة العسكرية العراقية مستقبلاً وإدامة المنظومات الحديثة داخل القوات المسلحة بكفاءة عالية .

إن الدول التي تمتلك جيوشاً قوية هي الدول التي استثمرت في الإنسان والعلم والتكنولوجيا قبل السلاح وإن العراق يمتلك الطاقات الشبابية القادرة على النجاح والإبداع إذا ما توفرت لها البيئة الصحيحة والتخطيط السليم والدعم الحكومي الحقيقي .ومن هنا فإن مشروع اعدادية الصناعة العسكرية العراقية يجب أن يكون مشروع دولة لا مشروع مرحلة لأنه يمثل استثماراً استراتيجياً طويل الأمد في أمن العراق ومستقبل قواته المسلحة وبناء جيل عسكري يمتلك العلم والانضباط والخبرة والولاء الوطني القادر على حماية البلاد ومواكبة التطور العسكري العالمي ..

بغداد 

٢٣ مايس ٢٠٢٦