في وداع الديمقراطية العراقية؟

بغداد- العراق اليوم:

منذ عام 2003 وحتى اليوم، يبدو أن العراق يعيش مفارقة سياسية غريبة؛ فالديمقراطية التي قُدمت بوصفها بوابة الخلاص من الدكتاتورية، تحولت مع مرور السنوات إلى نظام لا يحكمه الفائزون الحقيقيون في الانتخابات بقدر ما تحكمه التسويات والغرف المغلقة والتوافقات التي كثيراً ما تلتف على إرادة الناخب.

في كل دورة انتخابية تقريباً، كان العراقي يذهب إلى صناديق الاقتراع معتقداً أن صوته سيصنع السلطة، لكنه كان يكتشف لاحقاً أن السلطة تُصنع في مكان آخر، وأن نتائج الانتخابات ليست سوى مرحلة أولى قبل أن تبدأ عمليات إعادة تدوير المشهد السياسي وفق ميزان المصالح الإقليمية والحزبية.

بعد انتهاء مجلس الحكم، لم يكن اسم إياد علاوي مطروحاً بقوة لرئاسة الحكومة، وكانت المنافسة تدور بين شخصيات مثل عدنان الباجه جي وأحمد الجلبي وآخرين، لكن فجأة قفز علاوي إلى الواجهة وأصبح رئيساً للحكومة المؤقتة في لحظة سياسية صنعتها التوازنات لا صناديق الاقتراع.

وفي انتخابات 2006، فاز إبراهيم الجعفري سياسياً داخل التحالف الشيعي، لكن الاعتراضات الداخلية والخارجية حالت دون استمراره، ليظهر اسم نوري المالكي كحل بديل، ويقفز إلى رئاسة الوزراء رغم أنه لم يكن المرشح الأول أو الأبرز آنذاك.

ثم جاءت انتخابات 2010، حين فازت قائمة إياد علاوي بالمركز الأول، لكن ذلك لم يكن كافياً لتشكيل الحكومة، إذ استطاع المالكي أن ينتزع الولاية الثانية عبر التحالفات والاتفاقات السياسية، في واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل في تاريخ العملية السياسية العراقية.

وفي عام 2014، انقلب المشهد مرة أخرى، لكن هذه المرة على المالكي نفسه، رغم فوزه الانتخابي الواضح.

 إذ جرى تقديم حيدر العبادي بوصفه مرشح تسوية داخلياً وخارجياً، ليصبح رئيساً للحكومة وسط ضغوط سياسية وإقليمية كبيرة.

أما في 2018، فقد تكرر السيناريو بطريقة أكثر وضوحاً، حين تم تجاوز العبادي، الذي كان يُنظر إليه كأقوى الفائزين سياسياً آنذاك، وتمت تسمية عادل عبد المهدي رئيساً للحكومة، رغم أنه لم يشارك أصلاً في الانتخابات كمرشح.

واليوم، يتكرر المشهد بصورة أكثر قسوة وإرباكاً، مع الحديث عن حرمان محمد شياع السوداني من استحقاقه الانتخابي والسياسي، والإتيان بـ علي فالح الزيدي بوصفه مرشحاً من خارج الكتل والأحزاب التقليدية، في خطوة يرى فيها كثيرون استمراراً لمسار الالتفاف على نتائج الانتخابات وإرادة الناخبين.

حتى النكتة التي تدور في الشارع العراقي، بأن الزيدي ربما لم يصوت حتى كناخب في انتخابات 2025، تعكس حجم السخرية الشعبية من المشهد السياسي الحالي، حيث بات العراقي يشعر أن الانتخابات لم تعد الطريق الحقيقي للوصول إلى السلطة، وأن هناك دائماً من يملك القدرة على صناعة الحكومات بعيداً عن صناديق الاقتراع.

المشكلة ليست في الأشخاص وحدهم، بل في الفكرة التي ترسخت خلال العقدين الماضيين: أن الديمقراطية يمكن تجاوزها متى ما تعارضت مع مصالح القوى النافذة. 

وهنا تكمن المأساة الحقيقية، لأن الديمقراطية لا تموت بانقلاب عسكري فقط، بل تموت أيضاً حين يفقد المواطن ثقته بأن صوته له قيمة.

إن ما يعيشه العراق اليوم ليس مجرد أزمة تشكيل حكومة، بل أزمة ثقة عميقة بالنظام السياسي كله.

 فحين يشعر الناخب أن نتائج الانتخابات لا تحدد الحاكم، وأن الفائز يمكن استبعاده والخاسر يمكن أن يصبح رئيساً للوزراء، فإن الديمقراطية تتحول إلى طقس شكلي فاقد للروح والمعنى.

ربما لا نبالغ إذا قلنا إن العراقيين يعيشون اليوم وداعاً حزيناً وتراجيدياً للديمقراطية التي حلموا بها بعد 2003. 

فالدولة التي كان يُفترض أن تُبنى على إرادة الناس، تبدو وكأنها تُدار وفق إرادة التسويات، فيما يقف المواطن متفرجاً على سلطة تتشكل باسمه، ولكن من دون صوته.