بأي منطق يستحوذ الزيدي على الوزارات السيادية .. و يمنع الفائز الاول من استحقاقه ؟

رأي العراق اليوم 

في كل تجربة سياسية ناشئة، تكون مسألة توزيع المناصب والحقائب الوزارية اختباراً حقيقياً لمدى احترام القوى السياسية لمبادئ الديمقراطية والشراكة الوطنية. 

لكن ما يجري اليوم في كواليس تشكيل الحكومة الجديدة يبعث برسائل مقلقة، تعكس أن بعض الأطراف ما زالت تنظر إلى الوزارات بوصفها “غنائم سياسية” وليست مؤسسات دولة يفترض أن تُدار بالكفاءة والاستحقاق.

التحذيرات التي أطلقها ائتلاف “الإعمار والتنمية” بشأن وجود تسويات يجريها رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي حول الوزارات السيادية والمهمة، تكشف حجم الأزمة السياسية التي بدأت تتشكل مبكراً قبل ولادة الحكومة. فحين تتحول الوزارات إلى ساحة صراع للاستحواذ والنفوذ، فإن الخاسر الأول هو المواطن، والخاسر الأكبر هو مفهوم الدولة نفسها.

إن الاستماتة في التمسك بالوزارات السيادية وعدم احترام الاستحقاقات السياسية تعني أن بعض القوى ما زالت تفكر بعقلية السيطرة لا بعقلية الشراكة. وهذا السلوك يضرب جوهر العملية الديمقراطية التي تقوم أساساً على التوازن والتمثيل واحترام نتائج التفاهمات السياسية.

 فالديمقراطية لا تُختزل بصندوق الاقتراع فقط، بل تُقاس أيضاً بمدى الالتزام بتوزيع المسؤوليات وفق الاستحقاق السياسي والانتخابي.

ائتلاف “الإعمار والتنمية” حين يعلن رفضه التنازل عن استحقاقه، فإنه لا يتحدث فقط عن منصب أو وزارة، بل يطرح قضية تتعلق بمبدأ الشراكة في إدارة الدولة. 

لأن تجاوز الاستحقاقات وفرض تسويات خلف الأبواب المغلقة سيؤدي بالضرورة إلى إنتاج حكومة ضعيفة، محكومة بالمجاملات والتوازنات الهشة، وغير قادرة على تنفيذ برنامج حقيقي للإصلاح أو التنمية.

كما أن التلويح بخيار المعارضة يعكس حجم الاحتقان السياسي المتصاعد، ويؤكد أن الأزمة لم تعد مرتبطة بحقيبة وزارية هنا أو هناك، بل باتت مرتبطة بثقة القوى السياسية ببعضها وبآلية تشكيل الحكومة نفسها. 

والمعارضة، إذا ما تشكلت على أساس وطني وبرنامجي، قد تكون خياراً صحياً في الحياة السياسية، لكنها في الوقت نفسه مؤشر على فشل مبكر في بناء التوافق المطلوب لإدارة المرحلة المقبلة.

العراق اليوم بحاجة إلى حكومة تبني المؤسسات لا حكومة توزع النفوذ، وإلى وزراء يمتلكون القدرة على إدارة الملفات الخدمية والاقتصادية والأمنية، لا شخصيات يتم اختيارها لإرضاء الكتل والأحزاب. 

فالتحديات التي تواجه البلاد أكبر بكثير من حسابات المكاسب السياسية الضيقة، وأي إصرار على الاستحواذ سيقود إلى إعادة إنتاج الأزمات ذاتها التي دفعت المواطن ثمنها لسنوات طويلة.

إن احترام الاستحقاقات السياسية ليس منّة من أحد، بل هو أساس الاستقرار السياسي. وأي محاولة لتجاوز هذا المبدأ ستفتح الباب أمام مزيد من الانقسامات، وتعمق أزمة الثقة بين الشارع والقوى السياسية، في وقت يحتاج فيه العراق إلى التهدئة والتوافق والعمل الجاد لإنقاذ مؤسسات الدولة من دوامة الصراع المستمر.