بين الولاية الثانية و دماء العراقيين..موقف يسجله التاريخ للسوداني بماء الذهب

راي العراق اليوم:

في خضم التعقيدات السياسية والأمنية التي يعيشها العراق، برز موقف رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بوصفه واحداً من أكثر المواقف حساسية وتأثيراً في المشهد العراقي، بعد أن فضل تجنيب البلاد الانزلاق إلى صدام داخلي دموي، رغم ما تعرض له من ضغوط وإغراءات سياسية خارجية.

وتؤكد مصادر سياسية أن دعوات عديدة وصلت إلى السوداني من واشنطن، وربما من أطراف أخرى، تدفع باتجاه الاصطدام المباشر مع الفصائل العراقية المسلحة داخل الشارع العراقي، مقابل منحه دعماً سياسياً واسعاً يضمن له التجديد لولاية ثانية ورفع أي تحفظات خارجية ضده.

لكن السوداني، وبحسب مقربين منه، اختار طريقاً مختلفاً، معتبراً أن الحفاظ على دماء العراقيين والسلم الأهلي يتقدم على أي مكسب سياسي أو استحقاق انتخابي، حتى وإن كان ذلك على حساب مستقبله ومنصبه في الدولة.

ويرى مراقبون أن رئيس الوزراء رفض الانجرار إلى مشروع قد يفتح أبواب الفتنة والصراع الداخلي، مؤمناً بأن أي مواجهة داخلية لن تترك رابحاً، بل ستقود البلاد إلى فوضى خطيرة قد لا تبقي ولا تذر.

وفي الوقت الذي تشير فيه بعض التقديرات إلى أن شخصيات أخرى ربما كانت ستقبل بل أن بعضها قبل بمثل هذه العروض مقابل البقاء في السلطة أو الوصول إليها دون استحقاق انتخابي أو دستوري، فإن السوداني فضل الابتعاد عن خيار القوة، والتعامل مع ملف الفصائل عبر المعالجات السياسية والهادئة.

 السوداني أصر على أن هذا الملف الشائك يجب أن يخضع إلى تفاهمات ومعادلات دقيقة، بعيداً عن منطق الصدام، مستشهداً بتجارب إقليمية معقدة، من بينها الحالة اللبنانية وتعقيدات ملف حزب الله، فضلاً عن التجربة الفلسطينية، حيث لم تستطع إسرائيل، رغم حربها المدمرة  وما خلفته من آلاف الشهداء ، نزع سلاح حركة حماس.

 رئيس الوزراء رفض تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، واختار أن يتحمل شخصياً كلفة هذا القرار، ويدفع ثمنه شخصياً حفاظاً على استقرار البلاد ومنع انزلاقها نحو المواجهة الداخلية.

ويرى متابعون أن ما تحقق في عهد السوداني لا يقتصر على ملفات الإعمار والخدمات والبناء، بل يتجاوز ذلك إلى ما يعتبرونه “المنجز الأهم”، والمتمثل بالحفاظ على الأمن الأهلي وصيانة الدم العراقي، في مرحلة تقف البلاد فيها على حافة تصعيد خطير.

ويؤكد مؤيدو هذا الطرح أن موقف السوداني سيبقى حاضراً في الذاكرة السياسية العراقية بوصفه موقفاً قدّم فيه استقرار العراق ووحدة مجتمعه على حساب الطموحات السياسية والشخصية، في لحظة كانت الخيارات فيها شديدة التعقيد والخطورة.

ولذا فان على الجميع أن يرفعوا لمحمد شياع السوداني، صورة في كل منزل عراقي، فالرجل الذي منع مقايضة منصبه بالدم العراقي، واختار الخسارة الشخصية مقابل المكسب الوطني، سيكون من علامات التاريخ العراقي، و سيسجل موقفه الوطني هذا بماء الذهب على صفحات رجال عظام مروا على بلاد النهرين العظيمة.

الرجل صان الأمانة و أدى ما عليه،  وخسر ما خسر، لكنه يهون من أجل أن لا تتكرر مأساة أو تفجع الأمهات، و يحرم اطفال من آبائهم، فنعم الرجل و طاب الموقف الشريف، و لتذهب المناصب الى الجحيم إذ كان الطريق إليها معبدا بدماء الناس!