لماذا تنازل السوداني عن حقه في رئاسة الوزراء ؟



 رأي العراق اليوم:

موقفٌ صادم ومدهش، بل صدمة كبيرة عاشها الشارع العراقي وهو يراقب بشيء من عدم التصديق تنازل رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني عن حقه الدستوري في تشكيل الحكومة، وقبوله بتكليف مرشح التسوية علي الزيدي بهذه المهمة.

السوداني فاجأ الجميع، وقلب الطاولة على كل التوقعات، في وقتٍ كان فيه كثيرون يروجون أنه متمسك بالمنصب حدّ الاستماتة.

 لكن الرجل أثبت مرة أخرى أنه يزهد بالسلطة عندما تتحول إلى ساحة صراع، ويتنازل عندما يشعر أن ثمة خطراً يهدد البلاد، وقد تصبح الدماء لا سمح الله أرخص ما يُدفع في معادلة شدّ الأيادي وعضّ الأصابع.

هذه ليست المرة الأولى. فقد فعلها السوداني سابقاً

وهو في ذروة قوته السياسية وزخمه الانتخابي، بعد أن حقق موقعاً متقدماً في المشهد، ومع ذلك تنازل لصالح نوري المالكي، رغم أن الأخير لم يكن يمتلك، وفق كثير من القراءات، ما يكفي من السند الدستوري للمطالبة برئاسة الوزراء. 

كان ذلك التنازل، كما وصفه الشارع العراقي، "عن طيب خاطر"، في محاولة لتمرير المرحلة وتجنب الانسداد السياسي.

غير أن التجربة لم تكتمل، إذ لم يتمكن المالكي من تشكيل الحكومة خلال الأشهر التي تلت التكليف، لتعود الأزمة من جديد إلى نقطة الصفر. وهنا، لا يتعلق الأمر بتقييم موقف المالكي بقدر ما هو قراءة في سلوك السوداني، الذي بدا مستعداً للتضحية بفرصه السياسية مقابل تجنيب البلاد مزيدا من التعقيد.

اليوم، يعيد السوداني ذات المشهد، لكن هذه المرة بصورة أكثر وضوحاً. حيث يتنازل مجدداً، وهذه المرة لصالح مرشح لم يكن معروفاً على نطاق واسع قبل لحظة طرحه، ما يثير تساؤلات جدية: هل نحن أمام سلوك سياسي نادر في بيئة اعتادت التمسك بالمناصب، أم أمام تنازل اضطراري فرضته موازين القوى؟

اللافت أن هذا التنازل يأتي رغم أن العديد من المؤشرات كانت تصب في صالح السوداني، سواء من حيث النتائج الانتخابية أو من حيث التفسيرات الدستورية.

 بل إن رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان كان قد أشار بنفسه إلى أن الأجدر بتشكيل الحكومة هو الفائز الأول، ما يعزز من مشروعية موقف محمد شياع السوداني.

ومع ذلك، اختار الرجل أن يتجاوز هذا "الحق"، مفضلاً – على ما يبدو – الحفاظ على استقرار العملية السياسية، حتى وإن كان الثمن موقعه الشخصي وحقه الانتخابي. هنا يتحول التنازل من مجرد خطوة سياسية إلى رسالة وقيم وأخلاق ووطنية عالية، مفادها أن السلطة ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة يمكن التخلي عنها إذا أصبحت عبئاً على الدولة والشعب.

لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن هذا التنازل قد يُقرأ أيضاً بوصفه نتيجة لضغوط سياسية كبيرة، وربما لصراعات داخلية دفعت باتجاه إعادة ترتيب الأوراق على حساب الفائز الأول. فالمشهد السياسي في العراق لا يُدار دائماً وفق قواعد واضحة، بل تحكمه في كثير من الأحيان توازنات معقدة وتحالفات متغيرة.

السوداني، في كل الأحوال، خاض اختبارين صعبين، وخرج منهما بصورة مختلفة عن السائد، بل كرس نفسه زعامة وطنية مضحية و نادرة، ورسم لنفسه طريقاً مستقبلياً مؤطراً بالتقدير والاحترام.

 وسواء اتفقنا مع قراره أو اختلفنا، فإن ما قام به وضعه في موقع مميز داخل المعادلة السياسية، بوصفه شخصية قادرة على اتخاذ قرارات غير تقليدية.

ويبقى السؤال الأهم: هل سيُكافأ هذا النهج السياسي المختلف للسوداني من الشارع العراقي، أم أن السياسة في العراق لا تعترف إلا بمن يتمسك بموقعه حتى اللحظة الأخيرة؟

الجواب على شفاه التاريخ، وهو وحده الذي سينطق به، ويؤكده للأجيال السياسية القادمة ..