استعصاء تشكيل الحكومة الصراع بدل البرنامج

بغداد- العراق اليوم:

جاسم الحلفي

يشهد العراق حالة استعصاء في تشكيل الحكومة، تعكس عمق أزمة النظام السياسي نفسه. فالصراع الدائر داخل الإطار التنسيقي حول منصب رئيس الوزراء لم يعد مجرد خلاف على الأسماء، بل أصبح مؤشراً على انسداد سياسي أعمق، يتجاوز الأشخاص إلى طبيعة النظام الذي ينتج هذا النوع من الصراعات.

ويجري هذا الصراع في لحظة إقليمية بالغة الخطورة، وفي ظل تحديات داخلية متراكمة: أمنية، واقتصادية، وخدمية. ومع ذلك، لا نلحظ في هذا التنافس أي نقاش جدي حول برنامج عمل حكومي، ولا حتى تصور أولي لمواجهة هذه التحديات. وكأن المسألة لا تتعلق بإدارة دولة، بل تتركز في تقاسم السلطة والنفوذ.

الأكثر دلالة أن المرشحين الرئيسيين للمنصب ليسوا وجوهاً جديدة، بل شخصيات جُرِّبت في الحكم. ومع ذلك، لا يُستحضر تقييم التجربة السابقة بوصفه أساساً للاختيار.

وفي نهاية المطاف، سيتم اختيار أحد المرشحين، أو الذهاب إلى "مرشح تسوية" يوازن بين مصالح الخارج ومصالح الطغمة الحاكمة، من دون أن يعني ذلك تغييراً في جوهر المسار.

وهنا تتكشف أزمة أعمق، ليست أزمة اختيار رئيس وزراء، بل أزمة نظام سياسي فقد القدرة على إنتاج بدائل حقيقية. أزمة غياب منطق الدولة داخل العملية السياسية، حيث يتقدم التوازن السياسي على حساب البرنامج، وتُقدَّم التسويات على حساب الإصلاح.

وتتخذ هذه الأزمة بعداً أوضح حين ننظر إليها من زاوية اقتصادية - طبقية. فالنظام لم يعد إطاراً لإدارة الاقتصاد، بل أصبح جزءاً من بنية قائمة على إعادة توزيع الريع لمصلحة قوى محددة. إذ الصراع على السلطة لا يدور حول كيفية إدارة الاقتصاد أو إصلاحه، بل حول من يتحكم بمصادره، ومن يستفيد من تدفقاته.

وفي هذا السياق، يتداخل الفساد مع بنية الاقتصاد نفسه. لم يعد الفساد انحرافاً عن النظام، بل أحد آلياته. تُنهب الموارد، وتُعطّل القطاعات الإنتاجية، ويُبقى الاقتصاد في حالة تبعية، فيما تتحمل الطبقات الفقيرة والوسطى كلفة هذا الاختلال، عبر تراجع الخدمات، وارتفاع الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية.

وهكذا، يغدو الاستعصاء السياسي انعكاسا مباشرا لبنية اقتصادية مختلة، حيث لا يشكل البرنامج الحكومي أولوية، لأن ما تريده الطغمة ليس الإصلاح، بل استمرار التوازنات التي تضمن إعادة إنتاج النظام نفسه.

والنتيجة أن البلد يواجه تحديات أكبر من قدرته على الاستجابة. فالأزمة الاقتصادية تتفاقم، والضغوط الإقليمية تتصاعد، والمجتمع ينتظر، بينما السياسة تدور في حلقة مغلقة.

إن ما يجري اليوم يعبّر عن أزمة خانقة، لا في تشكيل الحكومة فقط، بل في بنية النظام السياسي-الاقتصادي برمته. فهو نظام قادر على إنتاج الصراع، لكنه عاجز عن إنتاج الحل.

حين يتقاطع الصراع السياسي مع بنية اقتصادية قائمة على الفساد، فإن الأزمة لا تتوقف عند حدود الحكومة، بل تمتد إلى المجتمع كله.

ولم يعد السؤال المطروح: من يحكم؟ انما لمصلحة من يُدار هذا الحكم؟ وعلى حساب من؟