رأي – العراق اليوم
منذ أشهر طويلة، لم يغب اسم رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني عن مشهد التحركات الدبلوماسية الإقليمية، كان الرجل يتحرك في مساحة ضيقة، بين ضغوط متعارضة ومحاور متصارعة، محاولاً أن يؤخر لحظة الانفجار الكبير في منطقة تعيش فوق برميل بارود، مملوء هذه المرة ليس فقط بالبترول الخام، بل ببترول السياسة المشتعل.
عمل واتصل، حاور وناور، ضغط وقدم مبادرات، تقارب وتوسط بين أطراف عدة، باستثناء الكيان الإسرائيلي الذي ظل خارج أي مقاربة مباشرة، في محاولة واضحة لإبقاء العراق على مسافة أمان من صراع يتجاوز حدوده الجغرافية بكثير.
لم تكن المهمة سهلة، فالمعادلة أعقد من مجرد اتصالات هاتفية أو بيانات دبلوماسية، بل كانت إدارة دقيقة لتوازنات داخلية وخارجية في آن واحد.
لقد نجحت تلك الجهود، إلى حد ما، في تأجيل الحرب. نعم، لم تمنعها بالكامل، لكنها أخرتها. وفي السياسة، أحياناً يكون كسب الوقت إنجازاً بحد ذاته. فالحسابات لدى الحلفاء – وفي مقدمتهم إسرائيل والولايات المتحدة – لم تكن قابلة للتبدل جذرياً، لكنها كانت قابلة للتأجيل والمساومة المرحلية. وهذا ما حاول السوداني استثماره إلى أقصى حد. السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا بذل السوداني كل هذا العناء؟ الإجابة ببساطة: لأنه يعرف الثمن.
يعرف أن أي مواجهة مفتوحة في الإقليم لن تمر مرور الكرام على العراق. فبلد أنهكته الحروب والصراعات والانقسامات لا يحتمل موجة اضطراب جديدة.
ويعلم أن ارتدادات الحرب لن تقتصر على صواريخ عابرة أو بيانات نارية، بل ستطال الاستقرار الداخلي، والاقتصاد، وسوق الطاقة، وحتى النسيج الاجتماعي.
العراق ليس جزيرة معزولة، إنه قلب جغرافي وسياسي في منطقة مترابطة المصالح والمخاطر.
وأي اشتعال واسع قد يضعه في مواجهة تحديات أمنية خطيرة، سواء عبر تصاعد التوترات الداخلية، أو عبر استهدافات مباشرة وغير مباشرة، أو حتى عبر انهيارات اقتصادية نتيجة اضطراب أسواق النفط والممرات الحيوية. في مقابل الجهد العراقي، كانت هناك أطراف إقليمية ودولية تدفع بالأحداث نحو حافة الهاوية، كل وفق حساباته ومصالحه.
بعضهم يرى في التصعيد فرصة لإعادة رسم خرائط النفوذ، وآخرون يعتقدون أن الفوضى قد تفتح أبواب ترتيبات جديدة.
وها هي المنطقة اليوم تقف على حافة اشتعال واسع، فيما يتفرج البعض على مشهد احتراق الشرق الأوسط، وكأن الأمر لعبة توازنات لا تمس حياة ملايين البشر. الآن، وقد وقع ما كان يُخشى وقوعه، وبدأ أوار الحرب يعلو، وصارت المؤشرات تتجه نحو احتمال توسعها، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً هو: ماذا ينتظر العراق؟
الحقيقة أن السوداني مشى – ولا يزال يمشي – فوق نصال حادة.
تحمل ألم الضغوط السياسية، واتهامات الداخل، وتناقضات الخارج، كي لا تصل هذه النصال إلى جسد العراق فتقطعه. يحاول أن يبقي البلاد خارج أتون الدوامة، وأن يحصنها سياسياً وأمنياً، وأن يجنبها الانزلاق إلى صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل.
لكن، وبكل صراحة، نجاح هذه السياسة ليس بيد السوداني وحده. إن حماية العراق اليوم مسؤولية جماعية،تحتاج إلى موقف وطني موحد بين القوى السياسية، بعيداً عن الحسابات الفئوية الضيقة. تحتاج إلى فهم مشترك لحساسية الوضع العراقي، ولتعقيد الدور الذي يلعبه رئيس الوزراء في هذه المرحلة.
فهو، من جهة، يسعى إلى حماية العراق أولاً ومنع تضرره المباشر، ومن جهة أخرى، يحرص على علاقات متوازنة مع الجوار، وخصوصاً مع إيران، التي تربطها بالعراق روابط جغرافية وتاريخية وسياسية معقدة. لا أحد في العراق يتمنى أن تتعرض دولة مجاورة لمزيد من الضرر، لأن تداعيات ذلك لن تقف عند حدودها.
السوداني اليوم يقود سفينة العراق بين منحدرات خطيرة، في بحر مضطرب. هامش المناورة يضيق، والأمواج تعلو، والرياح متقلبة، ومع ذلك، لا يزال يحاول تثبيت الدفة باتجاه بر الأمان. العراق لا يحتمل حرباً جديدة، ولا انقساماً داخلياً، ولا مغامرات غير محسوبة. وإذا كان رئيس الوزراء يسير فوق نصال حادة ليمنع تقطيع أوصال البلاد، فإن أقل ما يمكن أن يُقدم له هو إسناد وطني صادق، ورؤية موحدة، وإدراك لحجم الخطر.
ساعدوه… كي لا ينزلق العراق. وكي لا يتحطم في دوامة لا ترحم أحداً.
*
اضافة التعليق
فؤاد حسين: العراق ليس طرفاً في الحرب وندعو إلى وقف فوري للهجمات وتحرك أوروبي مستقل
السوداني يصدر توجيهات عاجلة للقوات الأمنية والمسلحة
السوداني يجري اتصالات عاجلة مع الكويت والبحرين لبحث تهدئة شاملة في الخليج
امريكا تعلق الأعمال القنصلية في العراق
نائب سابق يطالب بمراجعة العلاقات مع الأردن
العراق يناقش مع إيران وقف الحرب