خبير اقتصادي: تطبيق نظام "أسيكودا" أنهى فوضى الكمرك وحد من استنزاف العملة الصعبة واجراء الحكومة صحيح

بغداد- العراق اليوم:

أكد الخبير الاقتصادي محمود داغر أن الإجراءات الحكومية الأخيرة المتعلقة بتنظيم الاستيراد وربط التحويلات المالية بالتصاريح الكمركية تمثل خطوة إصلاحية مهمة لمعالجة اختلالات استمرت لسنوات طويلة، مبيناً أن النظام السابق كان يفتقر إلى الدقة ويتيح فرصاً واسعة للاستفادة غير المنظمة من فروقات العملة وضعف الرقابة.

وأوضح داغر أن العراق، وخلال السنوات الماضية، كان يمنح تسهيلات كبيرة للتجار في احتساب الرسوم الكمركية، إذ كانت تُحسب على أساس “الكونتينر” أو الوزن فقط، دون الأخذ بنظر الاعتبار التصنيف الدولي لمحتويات الحاوية، سواء كانت تحمل مواد بسيطة مثل القطن والمناديل الورقية أو سلعاً ثمينة مثل الذهب، حيث كان الرسم الكمركي يفرض بشكل مقطوع وفق الوزن.

وأضاف أن تلك الآلية القديمة ساهمت في تسهيل حركة الاستيراد بشكل كبير، لكنها في الوقت نفسه أضعفت عملية التنظيم والرقابة على نوعية السلع الداخلة إلى البلاد، مشيراً إلى أن التحويلات المالية كانت تجرى عبر المصارف بالسعر الرسمي للدولار، مع مرور البضائع بإجراءات كمركية منخفضة الكلفة، ما أدى إلى توسع كبير في النشاط التجاري بشكل غير منظم.

وبيّن داغر أن هذه التسهيلات حولت العراق إلى سوق مفتوحة تضم أعداداً هائلة من التجار، سواء في تجارة الجملة أو المفرد، لافتاً إلى أن سهولة الإجراءات الكمركية وانتشار الفساد الإداري آنذاك سمحت حتى للتجار الصغار، ممن يمتلكون رؤوس أموال محدودة لا تتجاوز 10 أو 20 ألف دولار، بالدخول في عمليات الاستيراد دون وجود تنظيم تجاري حقيقي يحدد حجم النشاط أو ضوابطه.

وأشار إلى أن التحول الحقيقي بدأ مع تطبيق نظام “أسيكودا” (Asycuda)، وهو نظام عالمي مؤتمت يعتمد على تصنيف السلع وفق معايير كمركية دقيقة ومعروفة دولياً، وبناءً على ذلك يتم تحديد الرسم الكمركي الخاص بكل مادة أو سلعة بشكل منفصل، بدلاً من الاعتماد على الوزن العام للحاوية فقط.

وأضاف أن تطبيق هذا النظام جاء بعد استشارات فنية مع شركات دولية متخصصة، ويمثل نقلة نوعية في إدارة الملف الكمركي، لأنه يتيح للدولة معرفة تفاصيل دقيقة عن طبيعة السلع المستوردة وكمياتها وقيمتها الحقيقية.

وأوضح داغر أن جوهر الاعتراضات الحالية يرتبط بعملية الربط بين التصريحة الكمركية الصادرة من نظام “أسيكودا” وبين التحويلات المالية الخارجية، مبيناً أن هذا الربط يشترط على التاجر الذي يرغب في إجراء حوالة مالية بالسعر الرسمي – لنفترض بقيمة مليون دولار – أن يقدم التصريحة الكمركية الخاصة بالبضاعة التي ينوي استيرادها.

وتابع أن هذه التصريحة تُستخدم لاحقاً عند وصول البضاعة إلى الميناء أو المنافذ الحدودية البرية، حيث يتم تدقيقها ومطابقتها مع البضائع المستوردة فعلياً، فإذا كانت مطابقة يتم إكمال الإجراءات بصورة طبيعية، أما إذا وُجد اختلاف فيتم اتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

وحول أسباب امتعاض بعض التجار من هذه الإجراءات، أوضح داغر أنهم كانوا يستفيدون سابقاً من ميزتين أساسيتين في آن واحد. الأولى تتعلق بفارق العملة، إذ كانوا يحصلون على الدولار بالسعر الرسمي المنخفض نسبياً، ثم يبيعون بضائعهم في السوق المحلية على أساس سعر صرف الدولار في السوق الموازي الأعلى، ما يوفر لهم هامش ربح إضافياً.

أما الفائدة الثانية فكانت تتمثل بضعف التدقيق في نوعية البضائع وكمياتها مقارنة بالمبالغ المحولة، وهو ما أتاح فرصاً واسعة لتحقيق أرباح أكبر في ظل غياب الربط الدقيق بين التحويل المالي والبضاعة المستوردة.

وأشار داغر إلى أن هذا الواقع تغيّر بعد اعتماد نظام الربط بين التصريحة الكمركية والتحويلات الرسمية، حيث فقد التجار هامش الاستفادة من فارق العملة، وأصبح من الضروري إثبات أن المبالغ المحولة تقابلها بضائع حقيقية وبقيمة مطابقة.

كما لفت إلى أن جزءاً من الأزمة الحالية يرتبط بوضع التجار في إقليم كردستان، إذ إن العديد منهم لا يستطيعون حالياً الحصول على تصاريح كمركية مسبقة، بسبب عدم ارتباط النظام الكمركي هناك بشكل كامل مع نظام “أسيكودا” الاتحادي، ما يدفعهم إلى اللجوء إلى شراء الدولار من السوق الموازية عبر الصرافين لإتمام عمليات الاستيراد.

وبيّن أن هذا التباين في الأنظمة والإجراءات بين الحكومة الاتحادية والإقليم ساهم في زيادة الضغط على السوق النقدية، وخلق حالة من الارتباك لدى بعض التجار الذين كانوا يعتمدون سابقاً على التحويلات الرسمية السهلة.

وختم داغر بالقول إن الإجراء الحكومي الأخير صحيح وضروري، وكان لا بد من تطبيقه، لأن النظام السابق كان يتسبب في استنزاف العملة الصعبة دون وجود رقابة دقيقة على نوعية وكميات البضائع المستوردة مقابل الأموال المحولة، مؤكداً أن اعتماد الأنظمة المؤتمتة والتصنيف الدولي للسلع يمثل خطوة أساسية نحو تنظيم التجارة الخارجية وحماية الاقتصاد الوطني على المدى البعيد.