بغداد- رأي العراق اليوم:
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يقف العراق اليوم عند مفترق طرق تاريخي، محاطاً بملفات سياسية وأمنية ملتهبة، تبدأ من الصراع الإيراني–الأمريكي ولا تنتهي عند الأزمة السورية المتصاعدة. وفي قلب هذا المشهد المتشابك، برزت الدبلوماسية التي يقودها رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بوصفها نموذجاً لما يمكن تسميته بـ"الدبلوماسية الناعمة"، التي تسعى إلى تحويل موقع العراق الجغرافي والسياسي من ساحة صراع إلى نقطة توازن وجذب دولي.
لم يعد العراق مجرد بلد يتلقى تأثيرات الصراعات الإقليمية، بل أصبح طرفاً فاعلاً في معادلات التهدئة واحتواء الأزمات.
فالدول الكبرى بدأت تتجه إلى بغداد، وتفتح قنوات اتصال مباشرة معها، ليس فقط لتعزيز العلاقات الثنائية، بل أيضاً للاستفادة من موقع العراق كوسيط قادر على تقريب وجهات النظر في الملفات الأكثر حساسية في المنطقة.
ويأتي في مقدمة هذه الملفات الصراع الإيراني–الأمريكي، وهو من أخطر النزاعات التي يمكن أن تؤدي إلى انفجار إقليمي واسع.
وبين ضغوط هذا الصراع وتشابكاته، يحاول السوداني السير على خيوط رفيعة للغاية، واضعاً نصب عينيه هدفاً واحداً يتمثل في حماية العراق من الانزلاق إلى أتون المواجهة.
فالعراق، بحكم موقعه وعلاقاته، قد يكون أول المتضررين من أي تصعيد عسكري، وهو ما يدركه صانع القرار في بغداد جيداً.
ومن هنا، عملت الحكومة العراقية خلال الفترة الماضية على بناء شبكة علاقات دولية استراتيجية، تقوم على التوازن وعدم الانحياز، وتضع مصالح الشعب العراقي فوق أي اعتبارات أخرى. هذه السياسة الهادئة والمتزنة أعادت تقديم العراق للعالم بوصفه شريكاً موثوقاً يمكن الاعتماد عليه، لا ساحة صراع مفتوحة كما كان ينظر إليه في سنوات سابقة.
ولعل أبرز مظاهر هذا التحول هو الانفتاح الأوروبي المتزايد على العراق، حيث بدأت دول القارة العجوز تنظر إلى بغداد كشريك أساسي في ملفات الأمن والاستقرار والطاقة. وقد تجسد ذلك بوضوح في زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إلى بغداد في توقيت حساس للغاية، ما يعكس حجم الاهتمام الدولي المتصاعد بالدور العراقي.
الزيارة الفرنسية لم تكن بروتوكولية أو عابرة، بل حملت في طياتها ملفات ثقيلة، كان أبرزها الملف السوري وتداعياته الأمنية والسياسية.
فالعراق ينظر إلى ما يجري في سوريا بقلق بالغ، خاصة مع احتمالية تحولها إلى ساحة مفتوحة للصراعات الدولية والإقليمية، وما قد يترتب على ذلك من عودة نشاط الجماعات الإرهابية وانتقالها عبر الحدود نحو دول المنطقة والعالم.
وقد أكد الموقف العراقي خلال اللقاءات على رفضه القاطع لتحويل سوريا إلى بؤرة صراع دائمة، أو نقطة انطلاق جديدة للتنظيمات المتطرفة. ويعكس هذا الموقف حرص بغداد على حماية أمنها القومي وأمن المنطقة، انطلاقاً من تجربة مريرة خاضها العراقيون في مواجهة الإرهاب.
ومن القضايا الشائكة التي طُرحت أيضاً ملف الإرهابيين المحتجزين في سجون قوات سوريا الديمقراطية، حيث أبدى العراق موقفاً حازماً ومسؤولاً من خلال استعداده لتسلم الآلاف منهم، وإعادتهم لمحاكمتهم وفقاً للقانون العراقي، في خطوة تعكس الثقة بالمؤسسات القضائية العراقية وقدرتها على إدارة هذا الملف المعقد.
كما جرى الحديث عن آليات تصنيف هؤلاء الإرهابيين بحسب جنسياتهم، والعمل على تسليم كل مجموعة إلى دولها الأصلية لمحاكمتهم هناك، بما يضمن تحقيق العدالة ومنع إعادة إنتاج الإرهاب في المنطقة.
هذا التوجه يعكس رؤية عراقية شاملة تقوم على المعالجة القانونية والأمنية المتوازنة لهذا الملف الخطير.
إلى جانب ذلك، برز ملف التعاون العسكري بين العراق وفرنسا كأحد محاور النقاش المهمة، خاصة في ما يتعلق بتعزيز قدرات العراق الدفاعية. فقد طرحت مسألة شراء أنظمة دفاع جوي ورادارات متطورة، في إطار مساعي بغداد لتطوير منظومتها الأمنية وحماية أجوائها وحدودها، بعيداً عن أي سياسة عدوانية أو تصعيدية.
هذه الخطوات تعكس تحولاً واضحاً في التفكير الاستراتيجي العراقي، إذ لم يعد العراق ينتظر الحماية من الآخرين، بل يسعى إلى بناء قدراته الذاتية، وتطوير شراكاته الدفاعية بما يضمن استقراره ويحفظ سيادته.
وفي الوقت نفسه، يبقى ملف الصراع الإيراني–الأمريكي حاضراً بقوة في المشهد السياسي.
فالعراق، بحكم علاقاته مع الطرفين، يمتلك موقعاً فريداً يمكنه من لعب دور الوسيط، ومحاولة سحب فتيل الأزمات قبل أن تتحول إلى مواجهة شاملة قد تجر المنطقة إلى حرب مدمرة.
ومن هنا، تتحرك الدبلوماسية العراقية بهدوء وحذر، في محاولة لتقريب وجهات النظر، وتخفيف التوترات، ومنع أي تصعيد قد تكون نتائجه كارثية على الجميع.
فاندلاع حرب واسعة لن يهدد دولة بعينها، بل قد يفتح الباب أمام صراعات كونية يصعب احتواؤها.
في هذا السياق، تبدو سياسة السوداني قائمة على مبدأ واضح: عدم التداخل في شؤون الآخرين، وعدم الانحياز لمحاور الصراع، مع الانحياز الكامل لمصالح الشعوب والاستقرار الإقليمي. وهي سياسة تتطلب توازناً دقيقاً، وقدرة عالية على المناورة السياسية، وفهماً عميقاً لطبيعة التحولات الدولية.
لقد نجح العراق، عبر هذه المقاربة، في إعادة تقديم نفسه بوصفه دولة تمتلك صوتاً مسموعاً ومكانة متقدمة في محيطها الإقليمي والدولي.
ولم تعد بغداد مجرد عاصمة تتلقى الضغوط، بل أصبحت محطة رئيسية للحوارات واللقاءات والتفاهمات.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد نشاط دبلوماسي عابر، بل إعادة صياغة لدور العراق في المنطقة والعالم، فشبكة العلاقات التي بناها السوداني خلال فترة قصيرة نسبياً، خلقت للعراق حلفاء أقوياء، خصوصاً في أوروبا، حيث بدأت العواصم الأوروبية تنظر إلى بغداد كشريك استراتيجي في ملفات الأمن والطاقة والاستقرار.
وهكذا، تتحول الدبلوماسية العراقية إلى أحد أهم أدوات حماية البلاد من الانزلاق نحو الصراعات، وإلى جسر تواصل بين القوى المتنازعة.
وبينما تستمر الأزمات الإقليمية في التصاعد، يبدو أن العراق يسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ موقعه كدولة توازن واعتدال، قادرة على لعب دور مؤثر في صناعة التهدئة، لا إشعال المواجهات.
إنها دبلوماسية تقوم على الحكمة، وعلى قراءة دقيقة للمشهد الدولي، وعلى إيمان راسخ بأن حماية العراق تبدأ من بناء علاقات متوازنة مع الجميع، دون التفريط بالمصالح الوطنية أو السيادة.
وفي زمن تتصاعد فيه التوترات، قد يكون هذا النهج هو الضمانة الحقيقية لبقاء العراق بعيداً عن الحروب، وقريباً من الاستقرار.
*
اضافة التعليق
الخارجية الأمريكية تؤكد استخدام كل الإمكانات لمنع عودة المالكي للحكم
اليكتي يؤكد أن مرشحه لرئاسة الجمهورية سيمر في الفضاء الوطني
النزاهة تضبط تلاعباً وتزويراً بـ (٤٦) إضبارة في دائرة الحماية الاجتماعية بالأنبار
السوداني يؤكد تطلعه لبناء علاقات قوية مع فرنسا ويدعو لتعاون أمني
العراق يعلن دعمه الكامل للمفاوضات بين إيران وامريكا
خلال ساعات قليلة .. مسؤول امريكي يجدد لقائه بمحافظ البنك المركزي العراقي