بغداد- العراق اليوم:
في السياسة، لا تكفي القدرة على المناورة لتحقيق المكاسب الآنية، فالأهم هو حساب ارتدادات الخطوة على المدى المتوسط والبعيد. هذا ما يضع الإطار التنسيقي اليوم أمام اختبار حقيقي، بعدما وجد نفسه عملياً يتجرّع نتائج معادلة كان شريكاً أساسياً في صناعتها، حين التف على استحقاق انتخابي واضح لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني وائتلاف الإعمار والتنمية، وفتح الباب أمام سيناريو معقد أعاد خلط الأوراق داخل البيت الشيعي.
عقب إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية، بدت حركة بعض أطراف الإطار التنسيقي أقرب إلى “مناورة غريبة” بالمعنى السياسي الدقيق.
فبدلاً من الالتزام المباشر بمخرجات الصندوق، جرى التلويح بعدم الاعتراف الكامل بالنتائج، والحديث عن الاكتفاء برئيس حكومة بصفات “تنفيذية محدودة الصلاحيات”، أي موظف يمكن توجيهه وإدارته من قبل القوى المتحكمة بالقرار السياسي.
هذا الطرح لم يكن مجرد اختلاف في الرأي، بل مثل التفافاً صريحاً على استحقاق انتخابي ناله ائتلاف الإعمار والتنمية بقيادة السوداني، وأوحى بمحاولة لإعادة إنتاج السلطة خارج منطق التفويض الشعبي.
هنا وجد السوداني نفسه أمام انقلاب ناعم على قواعد اللعبة الديمقراطية: خياران أحلاهما مر، إما القبول بأن يتحول إلى واجهة تنفيذية بلا قرار، أو الذهاب إلى تسوية قسرية تفرضها موازين داخل الإطار، حتى وإن كانت على حساب استحقاقه الانتخابي المباشر.
في هذه اللحظة الحساسة، قدم الرجل أولوية الحفاظ على وحدة القرار الشيعي ومنع الانقسام في مرحلة إقليمية ومحلية شديدة التعقيد، لكنه في المقابل اضطر إلى التنازل عن حق انتخابي كان واضحاً ومكتملاً من حيث الشرعية السياسية.
النتيجة أن اسم نوري المالكي لم يأت بوصفه “مرشح السوداني”، بل بوصفه “مرشح المناورة” التي هندستها أطراف داخل الإطار، في محاولة لإدارة التوازنات الداخلية وإعادة ضبط مراكز النفوذ.
ورغم أن المشهد انتهى ظاهرياً بالدفع بالمالكي دون إجماع شيعي كامل، إلا أن القراءة العميقة للمشهد تكشف أن ما جرى لم يكن حلاً نهائياً بقدر ما كان ترحيلاً للأزمة وإعادة إنتاجها بصيغة أخرى.
المفارقة أن الإطار التنسيقي، الذي سعى إلى تطويق استحقاق السوداني ووضعه أمام معادلة ضيقة الخيارات، بات اليوم أمام ارتدادات قراره.
فحين يفرض على لاعب أساسي في المعادلة السياسية خياران قسريان، فإن ذلك لا يعني إلغاء وزنه، بل قد يدفعه إلى إعادة ترتيب أوراقه بهدوء وانتظار لحظة مناسبة لإعادة التوازن.
بهذا المعنى، يمكن القول إن “الكأس” التي أُعدت للسوداني تجرع الإطار جانباً من مرارتها، بعدما كشف للرأي العام أن القرار لم يكن قرار الإعمار ولا خيار السوداني، بل خيار الإطار ذاته.
الأخطر في هذا المسار أنه يبعث برسالة سلبية عن قيمة العملية الانتخابية وجدوى الاحتكام إلى الصندوق، حين يمكن الالتفاف على النتائج عبر صفقات وتسويات داخل الغرف المغلقة.
كما أنه يضعف الثقة الشعبية بالتحالفات السياسية، ويعمق الشعور بأن منطق الغلبة الحزبية ما زال يتقدم على منطق الشراكة الوطنية والاستحقاق الديمقراطي.
ومع ذلك، فإن المشهد لم يغلق بعد. فخلف الصورة المعلنة، ثمة حسابات أعمق وحركة هادئة لإعادة التموضع، لأن السياسة لا تعترف بالنهايات السريعة.
الإطار الذي اختار أن يضغط باتجاه خيارين قاسيين، قد يجد نفسه لاحقاً أمام معادلة أكثر تعقيداً، حين تتبدل موازين القوة وتتضح كلفة الالتفاف على الشرعية الانتخابية.
هكذا، ينقلب السحر على الساحر: مناورة أُريد لها أن تحاصر استحقاق السوداني، تحولت إلى عبء سياسي على من صاغها، وفتحت أسئلة كبرى عن مستقبل القرار داخل الإطار، وحدود القدرة على إدارة التناقضات الداخلية دون أن ترتدّ على أصحابها. وفي بلد تتراكم فيه الأزمات والتحديات، يبقى الرهان الحقيقي على احترام الإرادة الانتخابية وبناء تسويات شفافة، لا على إعادة إنتاج الأزمات تحت عناوين مختلفة.
*
اضافة التعليق
في عمليّـتين منفصلتين... النزاهـة تضبـط متهـمين متلبــسين بجريمة الرشــوة في نينوى
مؤسسة الشهداء تعلن تمديد صرف ضحايا الإرهاب لـ 25 بعد تعديل القانون
الحلبوسي يحدد موعد انتخاب رئيس الجمهورية
نائبة تؤكد تحديد الثلاثاء لتكليف المالكي
البرلمان يكشف نتائج استضافة وزيري الدفاع والداخلية
بارزاني يرحب بالمالكي لدورة ثالثة