السوداني نقطة التقاء الفرقاء والحلفاء

بغداد- العراق اليوم:

في مرحلة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب، يبرز إسم رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني بوصفه أحد أبرز الفاعلين السياسيين القادرين على إدارة التناقضات وتحويلها إلى مساحات توازن، لا ساحات مواجهة. فالرجل لم يعد مجرد رئيس حكومة يدير شؤون الداخل، بل تحول، بحسب مراقبين، إلى نقطة التقاء نادرة تجمع بين المتخاصمين والمتقاربين على حد سواء، داخل العراق وخارجه.

على المستوى الداخلي، استطاع السوداني أن ينسج خيط تواصل هادئاً مع مختلف المكونات العراقية، من الكرد إلى السنة، مروراً بالقوى الشيعية بمختلف اتجاهاتها. 

ففي الوقت الذي تعاني فيه الساحة السياسية العراقية من إرث طويل من الشكوك والانقسامات، قدّم السوداني نموذجاً لإدارة العلاقة مع إقليم كردستان يقوم على التفاهم والحوار، بعيداً عن لغة التصعيد أو كسر الإرادات، سواء في الملفات النفطية أو المالية أو الإدارية.

أما في العلاقة مع القوى السنية، فقد حافظ رئيس الوزراء على خطاب متوازن يركز على الشراكة السياسية والاستحقاقات الدستورية، دون الانزلاق إلى منطق الغلبة أو التهميش، وهو ما عزز مناخاً سياسياً أقل توتراً مقارنة بمراحل سابقة. 

وفي البيت الشيعي، الذي لطالما كان مسرحاً لخلافات حادة، نجح السوداني في الإمساك بالعصا من الوسط، محافظاً على علاقة متوازنة مع مختلف الأطراف، من دون أن يتحول إلى طرف في الصراع أو أداة لتصفية الحسابات.

هذا التوازن لم يقتصر على الداخل العراقي، بل امتد ليشمل السياسة الخارجية، حيث يُحسب للسوداني قدرته على إدارة علاقات العراق مع أطراف إقليمية ودولية متناقضة المصالح.

 فالعلاقة مع إيران لم تعد علاقة اصطفاف أعمى، بل شراكة محكومة بالمصالح المشتركة واحترام السيادة. وفي الوقت نفسه، حافظت بغداد في عهده على خطوط مفتوحة مع دول الخليج، قائمة على التعاون الاقتصادي والانفتاح السياسي، بعيداً عن منطق المحاور.

كما لم تغب تركيا عن حسابات الحكومة العراقية، سواء في الملفات الأمنية أو الاقتصادية أو المائية، إذ تعامل السوداني مع أنقرة بواقعية سياسية توازن بين حماية المصالح العراقية وضرورة إدارة الجوار المعقد. 

وعلى الضفة الأخرى، استمرت العلاقة مع الولايات المتحدة ضمن إطار واضح، لا قطيعة ولا تبعية، بل تعاون محسوب يراعي أولويات العراق وأمنه واستقراره.

هذا النهج القائم على “اللا تمحور” و”اللا اصطفاف” منح العراق، وفق تقديرات محللين سياسيين، فرصة نادرة للخروج من دائرة الاستقطاب الإقليمي والدولي. فالعراق اليوم، مقارنة بسنوات مضت، يبدو أقل عرضة للانجرار إلى صراعات الآخرين، وأكثر قدرة على تثبيت موقعه كدولة تبحث عن مصالحها أولاً، لا كساحة لتصفية الحسابات.

ويذهب مراقبون إلى أن هذه السياسة المتوازنة ساهمت في إبعاد العراق، ولو نسبياً، عن “منطقة اللهب” التي تشتعل في أكثر من بقعة في الشرق الأوسط، وجعلته لاعباً مقبولاً لدى أطراف متخاصمة، لا خصماً ولا تابعاً.

في هذا السياق، تبرز مسألة الولاية الثانية لرئيس الوزراء بوصفها اختباراً حقيقياً لنضج الإطار التنسيقي وقدرته على قراءة المشهدين الإقليمي والدولي. فالدفع بمحمد شياع السوداني لإكمال ولاية ثانية لا يُنظر إليه، بحسب متابعين، كخيار شخصي أو حزبي، بل كخيار سياسي يرتبط باستمرار نهج التوازن وتفادي المغامرات في مرحلة شديدة الحساسية.

ويرى محللون أن الإطار التنسيقي، إن أراد أن يكون “عاقلاً وقارئاً ممتازاً للساحة الدولية”، فإن الرهان على شخصية أثبتت قدرتها على إدارة الأزمات بأقل قدر من الخسائر قد يكون الخيار الأكثر أماناً، لتمرير العراق من هذا المنزلق الخطير بأقل قدر ممكن من المشاكل، والحفاظ على ما تحقق من استقرار نسبي في الداخل، وتوازن محسوب في الخارج.

هكذا، يبدو محمد شياع السوداني، في نظر كثيرين، أكثر من مجرد رئيس حكومة، بل نقطة التقاء سياسية نادرة، في زمن تندر فيه نقاط الالتقاء وتكثر فيه خطوط الصدام.