احتجاج الشعب الإيراني .. ذاكرة الحرمان واستمرارية الفعل الاجتماعي

بغداد- العراق اليوم:

جاسم الحلفي

تأتي موجة الاحتجاجات الإيرانية الراهنة بوصفها امتداداً طبيعياً، بل تتويجاً لمسار طويل من الحركات الاحتجاجية التي شهدها المجتمع الإيراني خلال العقود الأخيرة. فهي لا تنفصل عن موجات 1999 و2009 و2017–2019 و2022، بل تتغذّى من تراكمها وتعيد إنتاج أسئلتها الأساسية حول العدالة والحرية والكرامة والمواطنة. بهذا المعنى، لا تمثّل الاحتجاجات الحالية انفجاراً مفاجئاً أو استثناءً ظرفياً، وإنما حلقة جديدة في سلسلة تاريخية من الفعل الاجتماعي الذي ظل يتجدّد كلما بلغت الأزمات حدودها القصوى.

رصد الفصل الرابع من كتابي (اليسار الإيراني) الموجات الاحتجاجية بوصفها تعبيرات متراكمة عن الحرمان البنيوي، لا مجرد ردود فعل آنية على أزمات اقتصادية أو سياسية عابرة. فكل انتفاضة، مهما بدت منفصلة زمنياً أو مختلفة في شعاراتها وأدواتها، تحمل في داخلها ذاكرة كفاحية ممتدة من أجل الحداثة والعدالة والحرية والمواطنة، حتى في الفترات التي غابت فيها التنظيمات التقليدية أو جرى تفكيكها بالقوة.

لم تتشكل الاحتجاجات في إيران كتيارات سياسية مؤقتة تولد مع لحظة أزمة ثم تخبو، بل كجذور ضاربة في عمق المجتمع. جذورٌ غذّاها عرق العمال في المصانع، وتعب الفلاحين في الأرياف، وأحلام الطلبة في الجامعات، وأصوات النساء والمثقفين الساعين إلى كسر قيود الاستبداد. لذلك ظل الفعل الاحتجاجي جزءاً من البنية الاجتماعية، لا حدثاً طارئاً على هامشها.

واجهت هذه الحركات منذ وقت مبكر قمعاً متواصلاً، غير أن القمع لم ينجح في محو أثرها. فكل إضراب عمالي خلّف درساً في الوعي الجمعي، وكل تجربة اعتقال تحولت إلى شهادة حيّة، وكل نص أو كتاب سرّي انتقل من يد إلى يد ليؤكد أن الفكرة أقوى من أدوات القهر. تراكمت هذه الخبرات لتشكّل ذاكرة مقاومة عصيّة على الإلغاء.

ولا يكمن سرّ هذه الاستمرارية في التنظيمات وحدها، بل في القيم التي حملتها الحركات الاحتجاجية. فالحرية لم تكن شعاراً مجرّداً، بل مطلباً يومياً للعمال والطلبة والنساء. والعدالة الاجتماعية لم تُطرح كأفق بعيد، بل كضرورة فرضتها معاناة الفقر والتهميش. أما المساواة، فلم تبقَ وعداً نظرياً، بل تجسدت في الممارسة داخل الأطر النضالية نفسها. وكان التضامن هو القيمة الجامعة، وقد اتخذ شكله الأكثر كثافة في السجون، حين تقاسم المعتقلون الخبز وشدّوا أزر بعضهم في مواجهة التعذيب والانكسار.

لهذا، وعلى الرغم من عقود القمع والملاحقة، بقيت الحركات الاحتجاجية في إيران عصيّة على المحو. فهي لم تتجذر في البيانات والشعارات فحسب، بل في حياة الناس اليومية وذاكرتهم الجماعية، لتغدو جزءاً من النسيج الروحي والاجتماعي للمجتمع الإيراني، ومصدراً دائماً لإعادة إنتاج الفعل الاحتجاجي بأشكال جديدة.