تعنيف الأسر للأبناء لمضاعفة النجاحات قد يدفعهم إلى الانتحار

بغداد- العراق اليوم:- لم تكن واقعة انتحار ريم مجدي، صاحبة الـ16 عامًا، وبطلة مصر وأفريقيا في المصارعة النسائية، بسبب تعنيف والدها لها، لتحفيزها على المزيد من النجاح والتقدم، حادثًا عابرًا، بقدر ما حمل في طياته الكثير من الرسائل، عن التداعيات السلبية لتعامل الآباء مع الأبناء، حتى وهم يبحثون لهم عن مستقبل أفضل.

جاءت حادثة انتحار الطالبة المشهورة محليًا وأفريقيًا قبل أيام، لتهز أركان الأسر المصرية، حول مدى ارتباط التحفيز المستمر للأبناء بإمكانية تفكيرهم في التخلص من حياتهم إلى الأبد، بعدما لم تعد تحركاتهم نحو الأفضل تواكب طموحات وآمال آبائهم، حتى وإن كان تعنيفهم، في بعض اللحظات، يحمل أسمى معاني الخير لهم.

ورغم أن ريم مجدي، التي كانت تدرس في المرحلة الثانوية بمحافظة الإسماعيلية،(شمال مصر)، استطاعت في سن صغيرة، أن تحقق ما فشلت فيه فتيات جيلها، وصعدت إلى منصة التكريم، كبطلة مصرية وأفريقية في المصارعة النسائية، إلا أن ذلك لم يرض طموحات والدها الذي يحبها كثيرا، وداوم على تعنيفها، لشعوره بانخفاض مستواها نسبيّا.

لم تستطع ريم (ضحية طموح الأب) أن تتحمل العبء النفسي الواقع عليها، حتى جاء يوم الاثنين الماضي، فقام والدها بتعنيفها أثناء التمرين، لفشلها أكثر من مرة في عبور بعض التمرينات بالطريقة التي ترضيه، حتى تحافظ على المقدمة دائمًا، وبعدما استقلا السيارة في طريقهما إلى المنزل، فتحت البنت الباب وألقت بنفسها بينما السيارة مسرعة، لتسقط جثة هامدة.

واعتقلت أجهزة الأمن والد الفتاة، واقتادته إلى النيابة العامة، التي أمرت بحبسه أربعة أيام بتهمة “إهانة أفضت إلى عقدة نفسية تبعها الموت”، وذلك بعدما اتهمته زوجته -أم البنت- بأنه كان دائمًا يعنف ابنته، كلما شعر بأنها لا تحقق المزيد من التفوق الرياضي، وأمام النيابة انهار الأب، وأبدى ندمه الشديد على الطريقة التي كان يتعامل بها مع فتاته الصغيرة، ما تسبب في انتحارها.

صحيح أن حالات انتحار الشباب والأطفال في المجتمع المصري، بل والعربي، تقدر بالآلاف لأسباب متفاوتة، إلا أن الجديد في الأمر، وما أثار التخوفات، هو أن الانتحار هذه المرة جاء بسبب الإفراط في الحب، ورغبة الأهل في أن يحقق الابن أو الابنة، المزيد من النجاحات.

شعور بعض الآباء بأنهم فشلوا في تحقيق طموحاتهم الشخصية، يدفعهم إلى ممارسة الضغوط الشديدة على الأبناء

وقالت سوسن محمود، أستاذة علم النفس والاجتماع بجامعة عين شمس، في القاهرة، إن شعور بعض الآباء بأنهم فشلوا في تحقيق طموحاتهم الشخصية، يدفعهم إلى ممارسة الضغوط الشديدة على الأبناء، لتعويض هذا الفشل، حتى وإن كان ذلك خارج قدرات الصغار، فإذا نجح الطفل تزداد مطامع الآباء في المزيد، ما قد يجعل الأبناء عاجزين عن تحقيق هذه المطامع.

وأضافت لـ”العرب” أن كثرة الضغوط الأسرية على الأبناء، حتى لو كان ذلك بدافع الحفاظ على مستقبلهم، قد تشعرهم بالإحباط واليأس، وأحيانا تجعلهم يفكرون في أنهم “فاشلون” من وجهة نظر أسرهم، ما يولد لديهم الإحساس بأنهم “بلا قيمة”، وأن حياتهم لم يعد لها معنى، لأنهم إذا لم يحققوا مراد أسرهم سوف يكونون منبوذين مدى الحياة.

وتكون نتيجة ذلك أن يصبح التفاهم بين الأسرة والأبناء “شبه منعدم”، لا سيما إذا تكررت المطالبة بالشيء نفسه على مدار الساعة، والأخطر من ذلك غياب العقلانية والتحفيز الأسري والاحتواء والمساندة في التعامل مع الأبناء، واللجوء الدائم إلى التهديد والوعيد والسخرية، في حال ما إذا فشلوا في تحقيق حلم الأب والأم والعائلة.

على جانب آخر، دافع البعض من الخبراء في علم اجتماع الأسرة، عن توجهات بعض الآباء في هذه الحالات، باعتبار أنهم يبحثون عن صالح الأبناء، وإن كانوا قد اتبعوا الطريق الخطأ.

وقال هؤلاء الخبراء إن الأجيال الحالية من الأطفال أصبحت مُدللة، ولا تتحمل القسوة، ولذلك يضطر الآباء إلى اتباع سلوك فظ لحمايتهم من مخاطر المستقبل، ما يدفع الأبناء إلى البحث عن حيوات جديدة أو إنهاء حيواتهم.

وتزايدت حالات الانتحار بين الشباب، وحتى الأطفال الصغار، بشكل لافت في مصر، ويرتفع عدد تلك الحالات خلال أوقات الامتحانات الدراسية، أو بعد إعلان نتيجة نهاية العام، لشعور الطلاب بأنهم لن يتمكنوا من حجز مقعد مناسب لهم وسط المجتمع، ولفشلهم في الحصول على درجات ترضي الأسرة، خاصةً أن البعض منهم يخشون ردة فعل الآباء تجاههم عند معرفة النتيجة.

ورأت فاطمة مصطفى، استشارية العلاقات الأسرية، أن واقعة انتحار بطلة مصر في المصارعة النسائية، بمثابة ناقوس خطر، حتى لو كانت حالة استثنائية فإنها قد تتكرر مجددًا، لأن البعض من الصغار قد يتخذون منها قدوة لهم، للتخلص من أعباء الضغوط الأسرية الواقعة عليهم طوال الوقت، وتحديدًا في مراحل التعليم، سواء لكثرة مطالبتهم بالمذاكرة والاجتهاد، أو لاشتراط تفوقهم على زملائهم لتحقيق مطالبهم في الحياة.

وقالت لـ”العرب” إن هذا الأسلوب في التربية “خاطئ”، ويمهد لإصابة الصغار بعقد نفسية واكتئاب، ويجعلهم يشعرون بالملل والإحباط طوال الوقت، لأنه لا يمكنهم أن يتحملوا إهانات الآباء المتكررة، لأجل تحقيق طموحاتهم وأحلامهم. إن صغار السن “لا يعرفون معنى أن الأسرة تضغط عليهم لأنها تبحث عن مصلحتهم، وتأمين مستقبلهم، ما يقضي على طفولتهم وشبابهم مبكرًا، ويجعلهم حاملين للهموم على مدار الساعة”.

وأشارت إلى أن الأسرة إذا تعاملت مع الأبناء كما يتعامل الصديق مع نظيره، تقضي على جميع الآثار السلبية التي من الممكن أن تتفاقم بين الطرفين، سواء بسبب كثرة المطالبة بتحقيق النجاح، أو عند الشعور الأسري بأن الابن بدأ يسلك طريق الفشل والانحراف، وأكدت أن القسوة والتعنيف، حتمًا ستكون لهما ردود فعل غير متوقعة.

ولفتت إلى عامل آخر، هو غياب الواعز الديني والتربوي والأخلاقي، ومن ثم يكون “الانتحار” أحد الخيارات الواردة على ذهن الطفل للتخلص من الضغوط، بل قد يكون هو الوسيلة “الأسهل”، للتخلص من هذه الأعباء، وعلى الآباء والأمهات أن يدركوا ذلك جيدا.

علق هنا