هل اليساري شيوعي، أم الشيوعي يساري .. وما الإختلاف بينهما ؟!

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة

فالح حسون الدراجي

قد يقول البعض عني حين يقرأ عنوان مقالي هذا :  

" شوف هذا البطران وين والناس وين .. الدنيا مشتعلة، والصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة عالگة .. والناس قاتلها الحر، و الكهرباء الوطنية فقدت وطنيتها، والشعب خائف وقلق من تداعيات الحرب الإقليمية، والمعيشة صارت أصعب من الصعبة، والمزاج العام  بأسوأ حالاته، والأخ جاي يسأل عن الفرق بين اليساري والشيوعي "؟!

نعم هكذا أظن وأعتقد بما سيقوله البعض عني، لكني ورغم ذلك، سأجيب عن هذا السؤال الإفتراضي، وأقول: إن العراقيين مروا بظروف أسوأ من الظروف، الحالية، سواء في شظف العيش، أو في انقطاع الكهرباء، أو في تعرضهم للمخاطر الحربية، بل أنهم تعرضوا إلى حروب ومهالك أشد فتكاً وخطراً، والى حصارات داخلية وخارجية عديدة، والى ضنك وعوز شديد لا مثيل له قط، لكنهم خرجوا منها أحياء يرزقون .. فالعراقيون - ونحن منهم - يعرفون أن الحياة لن تتوقف يوماً عن مسيرها مهما كانت الأسباب والظروف  والمخاطر التي تحيط بها ..

نعم، فالحياة العراقية ستستمر رغماً عن أنف الصواريخ، والطائرات المسيّرة، ورغماً عن انف الحر، والكهرباء، والعوز، والظروف القاسية !

لذا يتوجب علينا الإجابة عن أسئلة الحياة مهما كانت الأسئلة مختالة و ( متبطرة).. فهي جزء من عافية الناس، وبعض من ثقافتهم، وملمح بارز من ملامح جمالهم الإنساني والحضاري التأريخي.

وللإجابة عن هذا السؤال، استعنت بصديق عراقي يعيش في اوربا منذ أربعين عاماً تقريباً، وهذا الصديق يكنى بأبي يسار قبل أن يسمي ولده ( يسار ).. وقد توجهت اليه بالسؤال قبل سنة تقريباً، عن الفرق بين اليساري والشيوعي؟! 

فقال : " اليسار طيف، أو مصطلح واسع جداً يشمل كل الحركات التي تدعم المساواة الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، و تندرج تحته تيارات متنوعة مثل: الشيوعية، الاشتراكية الديمقراطية، الديمقراطية الاجتماعية، واللاسلطوية، وغيرها من التيارات الأخرى  أما الشيوعية فهي فكرة و أيديولوجيا سياسية يسارية تهدف إلى إلغاء الملكية الخاصة، والقضاء على الطبقات الاجتماعية، وإنشاء مجتمع يعتمد على الملكية العامة لوسائل الإنتاج، وإقامة ديكتاتورية البروليتاريا … إلى آخره ..".

وأكمل صديقي أبو يسار حديثه قبل سنة قائلاً : لكن ورغم ذلك، فإن ثمة نقاط تشابه، ومحطات مشتركة عديدة بين اليسارية والشيوعية.  

قلت له:عدا سعي الطرفين - اليساري والشيوعي - لتحقيق المساواة، وتقليص الفجوة بين الطبقات الغنية والفقيرة، والانحياز للعمال، والدفاع عن قضايا الكادحين و الفئات المهمشة، هل ثمة نقاط تشابه أخرى بينهما؟

قال: نعم هنا مناطق ومحطات عديدة أخرى يتوافق ويلتقي فيها الطرفان.. أولها

عداؤهما المشترك للنظام الرأسمالي.. وآخرها إيمان الطرفين بالسلام والعدالة، والإنسان وحقوقه وحرياته.

وأكمل أبو يسار حديثه قائلاً 

إن الشيوعي يؤمن بالثورة .. 

قاطعته وقلت له: أنا أعرف الكثير عن الفكر الشيوعي، لكني أريد أن ترسم صورة واضحة لي عن اليساري فحسب، لأني ارى أن إجابتك عن اليساري غائمة وغامضة وفيها شيء من التعميم، إذ ليس كل من يؤمن بحرية الإنسان وحقوقه، يسارياً، فثمة أشخاص تتوفر فيهم كل هذه المواصفات دون أن يكونوا يساريين  !

قال: كيف ؟

قلت: سأضرب لك مثلاً : لدي صديق وطني علماني، ديمقراطي، ناضل بشجاعة ضد الدكتاتورية، وأسس الجمعية العراقية لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة قبل حوالي ثلاثين عاماً، وما زال يرعاها ويبذل مالاً وجهداً كبيرين من اجل ديمومة هذه الجمعية الحقوقية الإنسانية- وأنا شخصياً عضو فيها منذ التأسيس حتى هذه اللحظة- لكن هذا الصديق المناضل الذي يعد واحداً من الأعمدة الوطنية المدافعة عن الحرية والمساواة في الولايات المتحدة، ليس يسارياً .. فهو رغم علاقته الطيبة مع اليساريين والشيوعيين، إلا أنه يؤمن بآراء وأفكار وقيم مدنية معينة لا تسير في ذات الإتجاه الفكري اليساري .. والرجل طبعاً لا ينكر هذا الأمر ، ولا يخفيه !

 فماذا تسمي هذه الحالة؟

قال: ربما هي حالة فردية وقد لا تتجاوز عدد الأصابع.

ثم أكمل صديقي ابو يسار قائلاً : بصراحة، كنت أتوقع أن تسألني عن الفرق بين اليساري واليميني، كما هو معتاد دائماً، وليس بين اليساري والشيوعي، خاصة وأن الفوارق بين اليساري واليميني، فوارق جوهرية وبنيوية كثيرة تستحق الوقوف عندها دون شك، فاليساري يتميز بالتركيز على أفكار تناضل من أجل الحرية، والمساواة والإخاء والتقدم والحقوق والإصلاح

عكس اليميني الذي يتميز بإيمانه بمفاهيم السلطة، والنظام والواجب والتقاليد والقيم الرجعية والقومية وغيرها من المعتقدات ..

قلت له: لم أفكر بالسؤال عن ذلك، لأني أعرف الفرق بن اليساري واليميني، إنما أردت أن نفك معاً خلبصة الإشتباك الدائر بين مصطلح اليساري ومصطلح الشيوعي، ومصطلح التقدمي، والمدني، والديمقراطي، والثوري وغيرها من المسميات .

قال: أظن إننا تحدثنا سابقاً عن هذه النقطة، وقلنا إن هناك تداخلاً وتشابكاً بين ملامح ومفردات، و جينات كل هذه المصطلحات .

قلت له: نعم هناك تداخل بينهما فعلاً، وأعتقد أن هناك الكثير من العراقيين بما فيهم السياسيون  لا يستطيعون التمييز بين الشيوعي واليساري، لذلك أرجو أن تقول لي بوضوح كيف أميّز اليساري عن غيره، لا سيما وأنت ( أبو يسار) ؟!

فضحك وقال ممازحاً: والله ما اعرف، بس أعتقد أن في خد اليساري شامة تميزه عن غيره ..!

قلت وأنا أحاول ممازحته أيضاً: أكيد هاي الشامة موجودة بالخد الأيسر ؟

 فضحك وقال: طبعاً طبعاً أليس هو ( يساري) !