علامة فارقة في عمل الهيئة

بغداد- العراق اليوم:

الدكتور محمد علي اللامي

رئيس هيئة النزاهة الاتحادية

ثمَّة لحظاتٌ تاريخيَّةٌ فارقةٌ تتجاوزُ فيها المُؤسَّسات الرقابيَّة أطرَ العمل التقليديَّـة؛ لتصنع فجراً جديداً من الحوكمة الرصينة. وإنَّ نشر (تعليمات آلية تسلُّم المعلومات والإخبارات الخاصة بقضايا الفساد والكسب غير المشروع وكيفيَّة التعامل معها) في جريدة "الوقائع العراقيَّة" بعددها (٤٨٦٦)، ليس مجرد إجراءٍ تنظيميٍّ عابرٍ، بل هو خطوةٌ جسورةٌ تُمثّلُ مرحلةً مفصليَّةً غير مسبوقةٍ في عمل الهيئة؛ حيث تمضي بثباتٍ نحو مأسسة عملها في جانب هو الأكثر حساسية وأثراً في بناء الدولة.

إنَّ الهدف الأسمى الذي ننشده من إصدار هذه التعليمات - المُستندة إلى أحكام قانون الهيئة النافذ رقم (٣٠ لسنة ٢٠١١) المُعدَّل - هو تأطيرُ عمليَّـة تلقّي المعلومات والإخبارات بإطارٍ قانونيٍّ صارمٍ ومحسومٍ، يكون بعيداً كلَّ البعد عن الاجتهادات الشخصيَّـة أو التأويلات المرنة. لقد أردنا رسمَ مساراتٍ إجرائيَّـةٍ واضحةٍ لا تقبل اللبس، تنقل العمل الرقابيَّ بشقَّيه؛ التحقيقيّ والوقائيّ، من فضاء التقدير إلى محاور المأسسة المنضبطة التي تحمي الحقّ وتصون الحقيقة.

من هنا، جاءت هذه التعليماتُ لتفتحَ للعدالة نوافذَ الضياء عبر قنواتٍ رسميَّـةٍ مُتعدّدةٍ ومُتكاملةٍ؛ فمن نبض المُخبرين الذين يمثلون شرائح المُجتمع كافة، إلى المُراسلات الرسميَّة، والخطوط الساخنة، والبريد الإلكترونيّ، والفرق الميدانيَّة، فضلاً عن رصد وسائل الإعلام وتصريحات المسؤولين. كلُّ هذه الروافد صُمِّمَتْ؛ من أجل توسيع نطاق التفاعل المُجتمعيّ، فالنزاهة لا تنمو في الغرف المُغلقة، بل تنتصر بتعزيز ثقَّة المُواطن بجدوى الإبلاغ.

ولأنَّ مأسسة العدالة تقتضي أعلى درجات التنظيم، فقد حدّدت هذه التعليمات مسؤوليَّات الدوائر المُختصَّة بدقةٍ؛ إذ تتولَّى دائرة التحقيقات مسيرة التحرّي ومُتابعة قضايا الفساد، فيما تنبري دائرة الوقاية لمُتابعة الملفَّات المُتعلّقة بالكسب غير المشروع وتعارض المصالح، مع إخضاع كل شاردةٍ وواردةٍ للتدقيق الأصوليّ قبل عرضها على القضاء. كما منحت التعليمات الأولويَّـة المُطلقة لقضايا الفساد الكبيرة التي تمسُّ الرأي العام أو ترتبط بشاغلي المناصب العليا، مع تخويل الهيئة تأليف فرقٍ ميدانيَّـةٍ تستجلي الحقائق بكلّ موضوعيَّـةٍ.

ونحنُ، إذ نخطُّ هذا العهدَ القانونيَّ، نُؤكّدُ لكلّ مبلغٍٍ أنَّ سريَّـة معلوماته وضماناته القانونيَّة هي (حمى مصون) - لا يُستباح - به نحفظ حقوق الأفراد ونُؤمِّنُ بيئةً صالحةً للإصلاح.

إنَّ مكافحة الفساد ليست عبئاً تنفردُ به الأجهزة الرقابيَّـة، بل هي مسؤوليَّة تضامنيَّـة مُشتركة بين مُؤسَّسات الدولة والمُجتمع. إنَّ الإبلاغ عن الفساد واجبٌ وطنيٌّ وأخلاقيٌّ سامٍ، وبهذه المأسسة التشريعيَّـة الجديدة، نقطع دابر التأويل؛ لنحمي المال العام ونمنعُ إفلات الفاسدين من قبضة العدالة.