بغداد- العراق اليوم:
افتتاحية جريدة الحقيقة
فالح حسون الدراجي
لا يختلف اثنان - حتى لو كانا مجنونَين - على نزاهة الشيوعيين ونصاعتهم، وقد ارتبطت صورتهم في الأدبيات العامة والكتابات السياسية، وفي الأذهان والوجدان الشعبي، بالنزاهة ونظافة اليد، وبالنضال ضد الفساد، حيث ينظر إليهم دائماً كرموز وقدوات في الأمانة والقيم والمبادئ الأخلاقية والنزاهة، حتى إنهم نالوا باستحقاق صفة أصحاب الأيادي البيضاء.
لقد استقرت صورة نزاهة الشيوعيين في أعماق الوعي الشعبي، وترسخت فيه حتى باتت حقيقة لا تحتاج إلى دعم أو إسناد لإثباتها وتأكيد وجودها. لكن حين يتحدث رئيس هيئة النزاهة العراقية الأسبق، القاضي رحيم العكيلي، عن نزاهة ونصاعة الشيوعيين، ويدلي بشهادة أمام العالم، كاشفاً بصوته وصورته عن معلومة تاريخية تخص أحد قادة الحزب الشيوعي العراقي، فإن الأمر هنا يصبح مختلفاً، لأن الرجل يتحدث من ميدان عمله وتخصصه في مكافحة الفساد، عارضاً معلومة موثقة، وحدثاً له تاريخ وشهود وأسماء وأرقام مثبتة غير قابلة للدحض أو الشك. فهو لا يقول رأياً شخصياً يمكن مناقشته أو حتى تأويله. ومن هذه الزاوية المهنية التخصصية المبنية على تجربة شخصية، تأتي قيمة ما قاله القاضي العكيلي في الفيديو المهم الذي رأيته أمس، والذي بدأه بالحديث عن المفاسد الفظيعة التي ارتكبت في أجهزة ومفاصل الدولة العراقية بعد سقوط نظام صدام حسين.
إن الحقيقة التي عرضها القاضي العكيلي تصلح أن تكون وثيقة تاريخية مهما كان رأينا به، فاتفاقنا مع العكيلي أو اختلافنا مع أفكاره وأدائه وسياسته، لا يقلل أو يزيد من شأن المعلومات التي ذكرها في هذا الفيديو، بخاصة أنه استذكر أمراً كان شاهداً شخصياً عليه. ويقيناً أن ثمة فرقاً كبيراً بين أحكام المعلومة وأحكام الرأي، لاسيما أن القاضي العكيلي لم يكن يتحدث في علوم الكيمياء والفيزياء، وإنما ينقل معلومة من موقع وميدان عمله وتخصصه كما قلت.
وإذا كنت قد أسهبت في شرح هذه الجزئية، فلأني أردت فقط أن أفك زحمة الاختلاط والالتباس التي تحصل عادة بين الرأي والمعلومة. ولأن للعكيلي لساناً صريحاً باشطاً، فقد قال في هذا الفيديو كلاماً مهماً وخطيراً وموجعاً عن مصيبة الفساد في الدولة. لا تستوعبه مساحة المقال، لكني سألتقط منه جزئية واحدة ربما لم ينتبه لها الآخرون، وهي الخاصة بالقائد الشيوعي والوزير والنائب السابق مفيد الجزائري، والمتعلقة تحديداً بتصرفه الذي يعده زملاؤه في البرلمان خروجاً عن نصهم، وتمرداً على المعتاد والسائد في أروقة برلمانهم في الدورة النيابية التي ترشح فيها الجزائري نائباً عن محافظة بابل بعد فوزه بانتخابات مجلس النواب عام 2006، وهي تقريباً نفس الفترة التي شغل فيها القاضي رحيم العكيلي منصب رئاسة هيئة النزاهة الاتحادية.
وهنا دعوني أنقل لكم نص المعلومة التي ذكرها رحيم العكيلي بنفس المفردات دون أي حذف أو إضافة أو تغيير، كما سأضع أسفل المقال رابطاً للفيديو لمن يرغب في مشاهدته كاملاً.
يقول القاضي العكيلي:
“أنا أشهد أن أنظف من دخل للحكومة العراقية هم وزراء الحزب الشيوعي، هذا أولاً.
وثانياً، هناك واقعة معروفة عن مفيد الجزائري عندما كان نائباً في مجلس النواب وهذه الواقعة كان الكل يعرفها في الوسط السياسي . في بداية كل شهر كان يأتي مفيد مع النائبات "المعبايات" وبقية النواب إلى أبو الحسابات. وطبعاً كان النظام السائد بالصرف أن كل واحد يأخذ راتبه، ويأخذ أيضاً رواتب حمايته. ويقدر راتب كل فرد من الحماية بمليون ونصف دينار. وطبعاً ثلاثة أرباع النواب لم يكونوا يضعون حمايات لهم، فقد يكون عنده سائق واحد، أو لا يوجد أحد أصلاً. فكانوا يأتون جميعاً إلى أبو الحسابات، ويأتي معهم مفيد باعتباره عضواً في مجلس النواب، وكان أبو الحسابات يسأل النواب واحداً واحداً: كم لديك من الحماية؟
فيجيبون جميعاً: ثلاثين، ولم أرَ أحداً منهم قال عندي تسعة وعشرون فرداً أو ثمانية وعشرون، وإنما كلهم يقولون عندي ثلاثون فرداً - وهو الحد الأعلى لعدد حماية النائب - فيعطي أبو الحسابات النائب راتبه، ويعطيه أيضاً رواتب ثلاثين شخصاً ... وطبعاً فإن رواتب الثلاثين كلها تنزل في جيب النائب، لأنهم يكذبون جميعاً.. وليس لديهم حمايات، باستثناء النائب الشيوعي مفيد الجزائري. فكان عندما يسأله أبو الحسابات: كم لديك من الحماية؟ فيقول له: ليس لدي حماية، أعطني راتبي فقط. فكان أبو الحسابات يقول له: لماذا ليس لديك حماية وأنت نائب ؟! فيجيبه مفيد: عندي اثنان حماية من وزارة الداخلية، وليس لدي غيرهما، أعطني راتبي فقط.. وأشكرك جداً. ثم يدير مفيد وجهه ويرحل وهذه القضية تتكرر كل شهر بين أبو الحسابات وبين مفيد الجزائري.”
انتهى نقلي عن الفيديو، مكتفياً بهذا القدر، رغم أن القاضي العكيلي تحدث في ذات الفيديو كلاماً كبيراً وجميلاً عن الشيوعيين، وعن أخلاقهم ونزاهتهم الفريدة، على الرغم من أن الرجل ليس شيوعياً، ولا علاقة له بالشيوعيين، كما ذكر هو بنفسه في الفيديو.
وأنا إذ أنقل هذه الحقيقة في مقالي الافتتاحي اليوم، فلأني أردت فقط تعميم هذا الدرس الأخلاقي، عسى أن يتعلم منه ( الآخرون) ، وأردت أيضاً نشر التجارب المضيئة في هذا الزمن المزدحم بالظلام الدامس، ولم أبغ الدعاية للرفيق مفيد الجزائري أو امتداح الحزب الشيوعي، لأني واثق من أن الجزائري والحزب الشيوعي لا يحتاجان قطعاً إلى الدعاية أو إلى المديح، فهما مثل الذهب الصافي الذي لا تشوبه شائبة، ولا يزيده الزمن إلا لمعاناً وروعة، فماذا ستقدم لهما الدعاية، وماذا ستؤخر إن لم نقمً بها أو لم نمتدحهما وهما الكبيران بتاريخهما ونضالهما وعطائهماٍ الثر ؟ كما أن مفيد الجزائري ليس أنموذجاً فريداً ووحيداً بين صفوف الشيوعيين، وإنما هو صورة من آلاف الصور الباهرة في الحزب الشيوعي العراقي، فالرجل لا يختلف أبداً في إشعاعه وقيمه ونزاهته عن بقية رفاقه الذين وضعتهم الظروف في مواقع الدولة. فرائد فهمي حين كان وزيراً أو نائباً، والراحل حميد مجيد موسى عندما كان عضواً في مجلس الحكم، وبديله في ذات المجلس الدكتور جاسم الحلفي، أو القائدان الراحلان مكرم الطالباني وعامر عبد الله عندما كانا وزيرين في حكومة الجبهة الوطنية العراقية في سبعينيات القرن الماضي، وقبلهما المناضلة الشيوعية نزيهة الدليمي التي استوزرها الشهيد عبد الكريم قاسم في وزارة الجمهورية الأولى. وغيرهم من كوادر الحزب الذين انتظموا في مواقع الدولة العراقية، لا يختلفون عن رفيقهم مفيد الجزائري قيد أنملة، فهم ينتسبون جميعاً إلى ذات المدرسة الأخلاقية والوطنية والإنسانية الفذة. وهم بلا استثناء شرفوا تلك المواقع الحكومية التي عملوا فيها، وعطروا مفاصلها ودوائرها بذات الأريج الأخلاقي الذي يشتركون فيه جميعاً. فالشيوعيون، صغاراً وكباراً، مثل ورود البستان الزاهر، لا يختلفون سوى في اللون والاسم، لكنهم متشابهون حد التطابق في الرائحة الزكية والعطر الفواح.
رابط الفيديو:
https://web.facebook.com/reel/3310466869127786
*
اضافة التعليق
لامين يامال فتى بألف رجل .. !
لماذا يفوز فريق برشلونة، ويخسر ريال مدريد ؟
لقد كسروا ( عين ) العراق يا أبا فرات..
تسقط الانتخابات
الجريمة التي ارتكبتها بحق الكائن الذي لايكره أحداً ولا يكرهه أحد.. أقصد أبو علي الوحيلي
إلى المعلق الكردي بيستون تاوگوزي : أنحني إجلالاً لكرديتك العراقية ..