السوداني .. رئيس وزراء أحبته قلوب الفقراء واحتضنته أياديهم

راي العراق اليوم

نكتب رأينا هذا لا زلفى ولا طمعاً ولا ملقاً، فالرجل يغادر منصبه، وقلما تجد مسؤولاً كبيراً في الحكومة العراقية يمتدح من قبل الإعلام وهو يودع كرسي الحكم والمسؤولية، آلا حين يكون ذا مكانة وقيمة ومحبة وشعبية يستحق عليها الحب والتقدير والإعجاب سواء من الناس أو من قبل وسائل الإعلام المنصفة والأقلام الوطنية. وهكذا نحن اليوم نشير في موقعنا هذا بكل صراحة إلى هذه الحقيقة الناصعة دون مجاملة أو إنحياز :

ففي زمنٍ أنهكته الاختلافات و الانقسامات، وأثقلته ذاكرة الجراح، يطل محمد شياع السوداني كحكاية مختلفة، كنسمةٍ هادئة مرّت على قلوب الفقراء فأنعشتها، ومثل يدٍ حانية امتدت لتربت على أكتاف المنسيين، أولئك الذين لم يطلبوا من الحياة سوى كرامةٍ تحفظ وجوههم من الانكسار.

وللأمانة فإن الرجل لم يكن مجرد رئيس وزراء يجلس خلف مكتبٍ رسمي، بل كان قريباً من الناس حد الشعور به، يسير بينهم لا كحاكمٍ فوقهم، بل كواحدٍ منهم، يعرف تفاصيل أيامهم، ويصغي لنبض وجعهم، وكأنه يحمل في قلبه خريطة العراق بكل قراه ومدنه، وبكل ما فيها من آمالٍ مؤجلة وأحلامٍ تبحث عن فرصة منذ زمن الحنون عبد الكريم قاسم.

أحبته قلوب الفقراء لأنه لم يخذلهم، واحتضنته أياديهم لأنه لم يتعال عليهم. 

رأوه صديقاً لأطفالهم، يبتسم لهم بصدقٍ نادر، ويمنحهم شعوراً بأن الغد سيكون أرحم حتماً. 

لم يكن حضوره بارداً أو رسمياً، بل دافئاً، إنسانياً، يشبه البيوت البسيطة التي لم تغادرها الطيبة رغم قسوة الأيام وأوجاعها.

وفي بلدٍ كثيراً ما مزقته التصنيفات، بقي الرجل بعيداً عن كل ميلٍ طائفي أو قومي، كأنه اختار أن يكون للعراق كله، لا لجزءٍ منه.

 لم يُعرف عنه أنه انحاز إلا للإنسان، ولم يُسجل عليه خطاب تحريضي، ولا كلمة تؤجج الكراهية، بل كان صوته أقرب إلى لغة التهدئة، وإلى دعوات التلاقي، وكأنه يؤمن أن الوطن لا يُبنى إلا حين تهدأ القلوب، لذلك منحوه بياض قلوبهم، ( وبنفسج ) أصابعهم في الانتخابات..

وما يلفت في تجربته أيضاً، ذلك السكون الذي رافق حكمه؛ إذ لم تُسفك في عهده قطرة دم، ولم يُسجل عليه عمل عنفي، وكأنّه كان حريصاً على أن تمر أيام العراق بسلام، ولو بشكل مؤقت، كاستراحة محاربٍ طال انتظاره للهدوء.

ولم يكن الحلم سهلاً، فالرجل واجه الكثير من الحملات، والاتهامات، وكلمات السب والتخوين التي تُطلق غالباً من قبل خصومه السياسيين وغير السياسيين بلا رحمة.

 لكنه لم ينجر خلفها، ولم يجعل منها وقوداً للرد، بل اختار طريقاً آخر؛ طريق الصبر، والتسامح، والعمل بصمت. لقد تسامح الرجل مع من أساء إليه، وعفا عمن أخطأ بحقه، وكأنّه أراد أن يقول إن القوة الحقيقية ليست في الرد، بل في القدرة على التجاوز.

كان السوداني، كما يصفه محبوه، “رجلاً بيدٍ بيضاء”، لا تمتد إلا للعطاء، ولا تُرفع إلا لمصافحة الناس، ولم يُعرف عنه تعسفٌ أو ظلم، بل ظلّ متمسكاً بأخلاقٍ فاضلة، تحاول أن تبقي السياسة قريبة من معناها النبيل، رغم كل ما يحيط بها من تعقيد.

وفي خضم هذا كله، بقي ثابتاً، رابط الجأش، مخلصاً لعمله، كطبيبٍ يحاول تضميد جراح وطنٍ أنهكته الأزمات كثيراً . 

لم يدعِ الكمال يوماً، لكنه اجتهد أن يكون قريباً من وجع الناس، وأن يترك في ذاكرتهم شيئاً من الطمأنينة، ولو كان بسيطاً.

ربما لا تُقاس التجارب دائماً بالأرقام، بل بما تتركه في القلوب من أثر ودود. 

وفي قلوب الفقراء، حيث تختزن الحقيقة دون زيف، كُتب اسم السوداني كواحدٍ منهم، كرجلٍ حاول أن يكون إنساناً أولاً، قبل أن يكون رئيس حكومة ووزراء.

وهذا، في حد ذاته، حكاية تستحق أن تُروى.

ختاماً أقول: لقد كتبت هذا الرأي دون أن أضع إسمي عليه كي لا يعرف السوداني إسم الكاتب، وكي لا أتهم بالتملق لمسؤول كبير، وكي أكون ممثلاً لجميع فقراء العراق ومحبي الوطن دون تحديد لإسم أو فئة معينة.

رابط الفيديو :

https://www.youtube.com/shorts/3JVcJH_VXKY