الإطار .. وبدعة إصدار القرار  .. !

رأي العراق اليوم :

لم يعد ما يجري داخل الإطار التنسيقي مجرد خلافات سياسية عابرة، بل تحول إلى مشهد صادم يختلط فيه الارتباك بالانقلاب، والتوافق بالمناورة، والاتفاق بالنقض. ما يحدث اليوم ليس إدارة سياسية، بل لعبة خطرة تُدار على حساب إرادة العراقيين، وكأن أصوات الناخبين مجرد أرقام قابلة للمحو أو التبديل وفق أهواء بعض القيادات.

الحقيقة التي لم تعد قابلة للإخفاء أن هناك قوى داخل الإطار تمارس منذ أشهر سياسة “الانقلاب الناعم”؛ تتفق على آلية، ثم تنقلب عليها عند أول اختبار حقيقي . 

مرة تحت لافتة “الاستحقاق”، وأخرى باسم “التوافق”، وثالثة تحت عنوان “مرشح التسوية”... وكلها عناوين براقة تخفي خلفها حقيقة واحدة: الالتفاف على إرادة الناخب العراقي.

الإطار الذي أقر بنفسه آلية واضحة لاختيار رئيس الوزراء – تقوم على تصويت ثلثي قياداته وثلثي نوابه – عاد اليوم ليمزق هذه القاعدة بيده، ويستبدلها بآلية مشوهة تفرغ العملية السياسية من مضمونها. 

فبدلاً من أن يكون القرار معبّراً عن ثقل نيابي حقيقي، جرى اختزاله داخل دائرة ضيقة من القيادات، بعضها لا يمتلك حتى تمثيلاً برلمانياً يُذكر.

وهنا تتجلى المفارقة الصارخة: كيف يمكن لشخصية مثل حيدر العبادي، التي لم تشارك في الانتخابات الأخيرة ولا تمتلك كتلة نيابية.. بل ولا مقعداً نيابياً واحداً في مجلس النواب، تتساوى بالتصويت داخل الإطار مع محمد شياع السوداني الذي يملك خمسين مقعداً نيابياً، فيستطيع العبادي بصوته ( الواحد) أن يقلب موازين اختيار رئيس الوزراء ويغير عملية التصويت برمتها.. فأين العدالة، 

وبأي منطق سياسي أو دستوري يتم تجاوز إرادة عشرات النواب الذين يمثلون مئات الآلاف من الناخبين العراقيين ؟!

ومادمنا نتحدث عن محمد شياع السوداني، يجب علينا ان نذكر ان السوداني المدعوم بثقل نيابي واضح يُقدر بعشرات المقاعد، ضمن كتلة تقترب من الأغلبية داخل الإطار، يواجه محاولات غريبة من بعض الأطراف في الإطار للقفز على هذا الواقع، وفرض خيارات بديلة لا تستند إلى أي شرعية انتخابية حقيقية.

ولعل الأخطر من ذلك، هو الدفع نحو ما يسمى بـ”مرشح التسوية”، وهو مفهوم فضفاض بات يُستخدم كأداة للالتفاف على نتائج الانتخابات. 

فطرح أسماء غير منتخبة، أو لا تمتلك خبرة، أو أي حضور سياسي أو جماهيري، يعني ببساطة مصادرة حق الشعب، وإعادة إنتاج السلطة بعيداً عن صناديق الاقتراع ..

وفي هذا السياق، تبرز محاولات من قبل نوري المالكي للدفع باتجاه خيارات توافقية لا تعكس ميزان القوى الحقيقي داخل الإطار، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية: من منح الحق لأي طرف أن يفرض “مرشح تسوية” إذا كان عاجزاً عن تمرير مرشحه عبر الآليات التي تم الاتفاق عليها؟

ما يجري اليوم ليس مجرد خلاف على اسم رئيس وزراء، بل هو صراع على جوهر العملية السياسية: هل تُحترم نتائج الانتخابات أم تُصادر؟ هل يُحكم العراق بإرادة الأغلبية أم بصفقات الغرف المغلقة؟

الشارع العراقي لم يعد صامتاً، والغضب يتصاعد. 

فكل محاولة للالتفاف على إرادته ستُقابل برفض أشد، لأن مصادرة الصوت الانتخابي ليست مجرد خطأ سياسي، بل جريمة بحق الديمقراطية، وخطيئة لن تُغتفر.

إن استمرار الإطار التنسيقي في هذه السياسات المرتبكة قد يقود إلى انهيار ما تبقى من الثقة بالعملية السياسية. 

المطلوب اليوم ليس مزيداً من “البدع السياسية”، بل العودة إلى قواعد واضحة: احترام الدستور، والالتزام بالآليات المتفق عليها، والانصياع لإرادة الأغلبية.

وغير ذلك، فإن ما يُطبخ في الخفاء لن يكون إلا وصفة جديدة لأزمة أكبر… وأخطر.