امريكا تبحث عن شركاء في الحرب

بغداد- العراق اليوم:

بقلم الفريق الركن احمد الساعدي 

تشير التطورات المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط إلى تحول واضح في سلوك السياسة الأمريكية بعد اندلاع المواجهة مع ايران فالإدارة الأمريكية التي اعتادت خلال العقود الماضية قيادة التحالفات العسكرية بسهولة نسبية تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف يتسم بتردد الحلفاء وغياب الحماس الدولي للانخراط في صراع واسع قد يمتد تأثيره إلى النظام الاقتصادي العالمي بأكمله

لقد كانت الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة القوة الأكثر نفوذا في الشرق الأوسط حيث نجحت في بناء منظومة من التحالفات الأمنية والسياسية مع عدد كبير من الدول خصوصا في منطقة الخليج إلا أن الحرب الحالية كشفت عن تغير مهم في حسابات تلك الدول فالكثير من العواصم الخليجية باتت تنظر إلى الصراع القائم بوصفه حربا لا تحقق لها مكاسب استراتيجية بقدر ما تعرض أمنها الاقتصادي والطاقوي لمخاطر جسيمة إن دول الخليج التي تعتمد بشكل كبير على الاستقرار الإقليمي لضمان تدفق النفط والغاز والاستثمارات تدرك أن أي حرب مفتوحة في المنطقة ستؤدي إلى نتائج خطيرة على اقتصاداتها وعلى استقرارها الداخلي ولذلك حاولت خلال الأشهر الماضية ممارسة ضغوط سياسية ودبلوماسية على الإدارة الأمريكية لتجنب التصعيد غير أن تلك المحاولات لم تنجح في تغيير مسار القرار في واشنطن ويبدو أن أحد أسباب هذا التعقيد يعود إلى طبيعة العلاقة السياسية بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو حيث يعتقد كثير من المراقبين أن الحسابات الاستراتيجية للحرب تأثرت إلى حد كبير بالمطالب الأمنية الإسرائيلية التي ترى في المواجهة مع ايران فرصة لإضعاف خصمها الإقليمي الأبرز

وفي ظل هذا المشهد المعقد تحاول واشنطن اليوم البحث عن شركاء جدد لتقاسم أعباء الحرب سياسيا وعسكريا وقد ظهر ذلك بوضوح من خلال الدعوة الأمريكية لتشكيل تحالف دولي يهدف إلى حماية الممرات المائية في الخليج وخصوصا في مضيق هرمز الذي يعد واحدا من أهم شرايين الطاقة في العالم حيث تمر عبره قرابة عشرين بالمئة من إمدادات النفط العالمية غير أن هذه الدعوة الأمريكية تواجه شكوكا واسعة في المجتمع الدولي فالكثير من الدول تنظر إليها على أنها محاولة غير مباشرة لجر أطراف جديدة إلى الصراع تحت عنوان حماية الملاحة الدولية بينما يدرك الجميع أن أي مشاركة عسكرية في تلك المنطقة قد تتحول بسرعة إلى مواجهة مباشرة مع ايران وهو ما قد يؤدي إلى توسيع نطاق الحرب بشكل لا يمكن السيطرة عليه

كما أن التجارب التاريخية السابقة في المنطقة جعلت العديد من الدول أكثر حذرا في التعامل مع المبادرات العسكرية الأمريكية فقد أثبتت حروب الشرق الأوسط خلال العقود الماضية أن الانخراط في صراعات معقدة دون رؤية سياسية واضحة غالبا ما يؤدي إلى نتائج غير محسوبة سواء على مستوى الاستقرار الإقليمي أو على مستوى الاقتصاد العالمي ولهذا السبب يبدو أن أغلب الدول حتى تلك التي ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة تحاول اليوم الحفاظ على مسافة آمنة من هذا الصراع فهي تدرك أن المخاطر المحتملة لأي مشاركة عسكرية قد تكون أكبر بكثير من المكاسب المتوقعة خصوصا في ظل غياب أهداف دولية واضحة لهذه الحرب إن ما يجري اليوم يعكس في جوهره تحولا تدريجيا في طبيعة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط فالقوة الأمريكية التي كانت قادرة في الماضي على تشكيل تحالفات واسعة بسرعة أصبحت تواجه تحديات جديدة تتعلق بتراجع الثقة الدولية في سياساتها العسكرية وبازدياد رغبة الدول الإقليمية في تجنب الدخول في مواجهات كبرى لا تخدم مصالحها المباشرة ومن هنا يمكن القول إن الدعوة الأمريكية لحماية الممرات المائية ليست مجرد خطوة أمنية بل هي مؤشر على مرحلة جديدة تحاول فيها واشنطن إعادة بناء شبكة تحالفاتها في المنطقة بعد أن أصبحت كلفة القيادة المنفردة للحروب أكبر من قدرتها على تحملها وحدها غير أن نجاح هذه المحاولة يبقى مرهونا بمدى استعداد الدول الأخرى لتحمل مخاطر الانخراط في صراع قد يتطور في أي لحظة إلى حرب إقليمية واسعة وهو أمر يبدو حتى الآن بعيد المنال في ظل حالة الحذر الدولي المتزايد من الانجرار إلى مواجهة مفتوحة في قلب الشرق الأوسط. وجميع المعطيات الميدانية تشير إلى ان واشنطن اصبح عاجزه على اخضاع ايران لشروطها ولربما الأيام القادمة نكون امام خيارين اما الحرب الشاملة بين الطرفين او  ايجاد تسوية ترضي الطرفين وبمشاركة الدول كل من الصين وروسيا التي تقف خلف ايران الان