هل أخطأ السوداني بتنازله لنوري المالكي؟

رأي العراق اليوم

يعود الجدل السياسي إلى الواجهة مع تصاعد الأسئلة حول خطوة رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني حين أعلن تنازله عن الاستحقاق لصالح نوري المالكي في لحظة كانت توصف بأنها الأكثر حساسية في مسار تشكيل الحكومة. وبين من عد الخطوة تسرعاً سياسياً، ومن رآها تضحية وطنية محسوبة، يبقى السؤال مشروعاً: هل أخطأ السوداني فعلاً أم أنه قرأ المشهد بواقعية مفرطة؟

فريق من المراقبين يرى أن السوداني، بوصفه أحد أبرز الفائزين انتخابياً، لم يكن ملزماً بالتراجع أمام إرادات حزبية أو ضغوط داخلية، وكان الأجدر به ـ وفق هذا الرأي ـ أن يمضي بقوة للمطالبة بتطبيق الدستور واحترام نتائج الانتخابات، وأن يترك التوازنات تأخذ مسارها الطبيعي تحت سقف الشرعية الانتخابية. 

ويعتقد أصحاب هذا الطرح أن الحسم المبكر كان سيكرس قاعدة واضحة مفادها أن الاستحقاق يُحسم بالصندوق لا بالتفاهمات اللاحقة.

في المقابل، يرى كثيرون أن خطوة السوداني لم تكن ضعفاً سياسياً، بل تعبيراً عن إحساس عالٍ بالمسؤولية الوطنية، خاصة في ظل التصدعات التي كانت تهدد الإطار التنسيقي. 

ووفق هذا المنظور، فإن الإصرار على الاستحقاق الانتخابي في تلك اللحظة كان قد يقود إلى انقسام حاد داخل المكون السياسي الأكبر، بما يفتح الباب أمام اضطرابات أوسع تهدد الاستقرار العام. وعليه، فإن تنازله أسهم ـ مرحلياً ـ في حماية وحدة الكتلة ومنع انزلاق البلاد إلى صدامات سياسية غير محسوبة.

غير أن التطورات اللاحقة أعادت خلط الأوراق.

فمع اتضاح حجم الاعتراضات الداخلية والخارجية على المضي بترشيح المالكي، وتعاظم المخاوف من صعوبة تشكيل فريق حكومي منسجم قادر على إدارة المرحلة، بدأ الحديث يتصاعد عن احتمالات تفكك التحالفات بدلاً من تماسكها.

 كما يحذر بعض المتابعين من أن أي مسار تصادمي قد يضع العراق في مواجهة ضغوط دولية قاسية، في وقت يحتاج فيه البلد إلى تهدئة لا إلى مغامرات سياسية.

أمام هذه المعادلة، يبدو السؤال أكثر إلحاحاً: ما الحل؟

يرى تيار واسع من المراقبين أن المخرج الواقعي يكمن في تبادل الأدوار بروح المسؤولية نفسها التي تحلى بها السوداني سابقاً، بحيث يعيد المالكي النظر في حساباته، ويفسح المجال أمام خيار قادر على جمع الأطراف وتخفيف حدة الاعتراضات. 

ويذهب هؤلاء إلى أن إعادة تكليف السوداني قد تمثل تسوية متوازنة تحفظ ماء وجه الجميع، وتحترم نتائج الانتخابات، وتمنح البلاد فرصة لتشكيل حكومة جامعة تخرج العراق من عنق الزجاجة الذي انحشر فيه.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بأشخاص بقدر ما يتعلق بقدرة الطبقة السياسية على إدارة خلافاتها دون أن تدفع البلاد نحو مزيد من الانقسام. 

وبين من يرى التنازل خطأ تكتيكياً، ومن يعده موقفاً وطنياً شجاعاً، تبقى الحقيقة أن العراق بحاجة إلى قرار شجاع آخر يعيد ترتيب الأولويات تحت عنوان واحد: الاستقرار أولاً.