الخلاف في ( الإطار) يفسد للود ألف قضية

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة 

فالح حسون الدراجي

عندما أطلق المفكر العربي أحمد لطفي السيد قبل مئة عام مقولته الشهيرة : " الخلاف في الرأي لايفسد للود قضية "، فإنه أطلقها للتأكيد على ما كان يسود في عصره وزمنه من ود بين الفرقاء، واحترام لوجهات النظر المختلفة، مهما كان حجم الإختلاف بينهم كبيراً، فتبقى بذلك المودة عامرة والعلاقة سامية وثابتة دون أن يمسها ضرر أو  قطيعة..

ولا أخفي عليكم، فقد جلست يوم امس أفكر طويلاً بقيمة هذه المقولة، وأهميتها الإجتماعية والأخلاقية آنذاك، وفي نفسي كنت أقول متسائلاً : ماذا لو عاش قائل هذه المقولة في قرننا الحالي، فيرى ما نراه من فظائع بين الفرقاء السياسيين ويسمع ما نسمعه من حكايات عجيبة عن قادة بلادنا الحاليين.. وماذا سيطلق ساعتها من مقولة لو قدر له مثلاً أن يحضر جلسة واحدة من جلسات مجلس النواب العراقي، أو اجتماعاً من اجتماعات ( اللبلبي والشلغم ) التي يعقدها الأخوة في الإطار التنسيقي، أو شقيقه المجلس السياسي الوطني، أو يحضر تفاهمات الأخوة الكرد، تلك التفاهمات التي لم يتفاهموا فيها، ولم نفهم نحن منها شيئاً حتى الان، رغم الاقتراب من تجاوز عتبة الاستحقاقات الدستورية، فلا الإطار اتفق على مرشحه لرئاسة الوزراء

ولا الأحزاب الكردية اتفقت على مرشحها لرئاسة الجمهورية، ولا حتى (المجلس السياسي الوطني) كان قد (اتفق) على مرشح مشترك لرئاسة البرلمان رغم فوز هيبت الحلبوسي بالمنصب، إذ رأينا بأم أعيننا أكثر من قائد من قادة هذا المجلس يغادر غاضباً قاعة البرلمان وينسحب من جلسة التصويت على رئيس البرلمان.. وهذا دليل على أحوال هؤلاء الأخوة ..

وهنا قد يقول قائل: وماذا في الأمر .. أليست السياسة فن الممكن، والديمقراطية هي نظام حكم يمتلك فيه الشعب السلطة السياسية، عبر ممثلين منتخبين، وهي نقيض السلطة الدكتاتورية، فلماذا أنت منزعج جداً ؟!

والجواب: أنا منزعج لأن أحمد لطفي السيد أطلق مقولته الشهيرة قبل مئة عام، وباتت كأنها قانون من قوانين السياسة، وهو لا يعلم أن أشخاصاً وأحزاباً ومنظمات وقادة وطغاة سيأتون يوماً وفي صدورهم ورؤوسهم وأجندتهم غل وحقد وفساد وقبح يكفي لإفساد مليون رأي ومليون قضية وليس قضية واحدة!

وطبعاً لن أتحدث هنا عن نتنياهو أو  ترامب او ما يشبههما، فهؤلاء في واد وأنا في واد آخر تماماً.. كما لا اريد أيضاً أن أتحدث عن حملات العبث والتسقيط والتشهير التي تحدث هذه الأيام بين السياسيين وخصومهم أو  أعدائهم، إنما أريد الحديث عما يجري من مؤامرات شنيعة وإسقاطات ومظالم فظيعة في المجتمع السياسي العراقي فقط، وتحديداً بين السياسيين العراقيين الذين ينتمون إلى لون واحد، وخط واحد، أو حتى بيت واحد.. وقطعاً فإني أعرف أن لطفي السيد لم يكن يعلم كيف سيتعامل بعد مئة عام قادة الإطار التنسيقي مع بعضهم في السر والعلن، وكيف ( يشتغل) هذا القائد الإطاري الكبير ضد شقيقه القائد الإطاري الآخر .. 

مع ملاحظة أن حديثي عن الإطار دون غيره، لا يعني أن الآخرين ( حبابين وكيوت)، وأن العلاقة فيما بينهم  (دهن ودبس) وأن حبل المودة بينهم أغلظ من قلب (شارون) الأسود، إنما أتحدث عن الأطار لأن ( ستيرن) الحكم بيد قادته، و أن ( صاية وصرماية ) العراق وأمواله بيدهم ..

وقبل أن أخوض في سيرة الأطار، دعوني أوضح لكم أشكال السياسة في العالم، وأنواعها كي نجد التوصيف الحقيقي والمناسب للسياسة العراقية.. 

هناك سياسيون وطنيون وقوى وطنية تأسست ومثال على ذلك الحزب الشيوعي الذي ناضل من أجل ( وطن حر وشعب سعيد).. وهذا الشعار يكفي لمعرفة جوهر هذا الحزب الفذ والباهر.

وثمة تجار ورجال أعمال يقتحمون السياسة ليزيدوا ثروتهم مثل دونالد ترامب وجماعته، وهناك أشخاص يدخلون السياسة من أجل تحقيق هدف ديني عقائدي يتمثل بتغيير واقع المجتمع إلى واقع ديني يستند إلى العقيدة والرابطة الأخلاقية.

وهناك من يدخل السياسة سعياً إلى تحقيق هدف قومي مثل الأحزاب القومية، العربية والكردية والتركمانية والآشورية وغيرها .. وهنا اسأل القارئ الكريم .. ما هو واقع الإطار التنسيقي وقواه وماذا يروم قادته اليوم برأيك .. هل يمكن احتسابهم مثلاً على جماعة الجهاد والسعي الشريف لتحقيق التغيير الأخلاقي والعقائدي الإسلامي في بنية المجتمع العراقي، فيضرب المثال الأخلاقي والقيمي السامي الذي يوصل المجتمع إلى الهدف  المنشود .. ؟!!!!

أم أن قوى الإطار تنتمي إلى عالم القوى الوطنية الساعية إلى توفير السعادة للشعب والحرية للبلاد؟!

أم أنه من المجموعة القومية التي تؤمن بتحقيق وحدة الأمة واستقلالها ؟

أم أن أعضاء الإطار ينتمون إلى خانة الأشخاص الذين يسعون إلى الفوز بخيرات البلاد وكسب المزيد من الثروات، وليأتي الطوفان بعد ذلك الف مرة ..!

سأترك الجواب على هذا السؤال البسيط للقراء، لكني اسأل سؤالاً واحداً: لماذا لم يتفق قادة الإطار على مرشح واحد لرئاسة الوزراء إذا كانوا نزهاء حقاً وينتمون الى عالم العقيدة الإسلامية السامية، عالم النموذج المنير، وقيم الزهد البعيد عن ( وسخ الدنيا )، لكي يتحقق على أيديهم ( الناصعة) التغيير المنشود في المجتمع..؟

وإلا لماذا رفضوا ترشيح السوداني وهو صاحب الحق والفائز مع ائتلافه بالانتخابات.. ولماذا لم يتفقوا على ترشيح المالكي قبل تغريدة ترامب رغم تنازل السوداني له؟

ولماذا يرفضون ترشيح العبادي مثلاً، أو يكرهون ترشيح أية شخصية قوية لا تستجيب لطلباتهم ولا تلبي إملاءاتهم المصلحية ؟!

ولماذا هذا الإصرار على ترشيح رئيس وزراء ضعيف ( موظف) وهزيل، إذا كانوا مؤمنين أن ( الحال يريد إرجال) كما يقال ؟!

وأخيراً أقول:،لماذا هذا التطاحن، والقتال في الخفاء، والضرب تحت الطاولة بين أخوة يفترض أنهم من طين حري واحد، ويسعون لهدف ( إلهي) مقدس واحد ؟

لاسيما وأن أعداءهم في الداخل والخارج أشداء وأقوياء ومتحدون ومتربصون ؟!

أخيراً أقول: هل الخلاف في الرأي بين قادة الاطار لايفسد للود قضية حتى هذه اللحظة ؟!