بغداد- العراق اليوم:
يواجه الإطار التنسيقي اليوم واحدة من أعقد أزماته السياسية منذ تأسيسه، بعدما وجد نفسه محاصراً بين ضغوط داخلية متراكمة، وانقسامات بنيوية داخل مكوناته، وتحركات إقليمية ودولية متسارعة، وصولاً إلى موقف أمريكي رافض يضيّق هامش المناورة إلى حدّ غير مسبوق. أزمة لم تنشأ فجأة، بل كانت حصيلة سلسلة من القرارات المتعثرة وسوء تقدير الموقف السياسي والوطني في لحظة مفصلية من تاريخ العراق.
السؤال المركزي الذي يتردد في الأوساط السياسية والشعبية هو: لماذا لم ينه الإطار التنسيقي ملف رئاسة الوزراء منذ البداية، عبر تكليف الفائز الأول في الانتخابات والدفع به إلى البرلمان، وترك الفيصل للمسار الدستوري؟
هذا الخيار كان كفيلاً بتجنيب البلاد حالة الانسداد السياسي، وحماية الإطار نفسه من الوقوع في دائرة الاتهام بمصادرة الإرادة الانتخابية، فضلاً عن تحصين العملية السياسية أمام الضغوط الخارجية والتجاذبات الداخلية. غير أن الإطار اختار طريقاً مغايراً، قوامه إدارة التوازنات بالقوة السياسية لا بالشرعية الانتخابية، وهو ما فتح الباب أمام أزمة ثقة واسعة، ليس فقط مع خصومه، بل داخل بيته السياسي أيضاً.
ومع تعقد المشهد، لجأ الإطار إلى خيار “كسر الإرادات الداخلية”، فابتعد عن التوافق الذي طالما تغنى به، وأقصى قوى وازنة داخل معادلته، وفي مقدمتها تيار عمار الحكيم وتحالف قيس الخزعلي، وما يمثلانه من ثقل نيابي وتأثير سياسي.
هذا الإقصاء لم يكن مجرد خلاف عابر، بل مثل شرخاً عمودياً في بنية الإطار، كشف هشاشة التفاهمات التي كانت تدار خلف الكواليس، وأظهر أن وحدة الموقف لم تكن راسخة بقدر ما كانت قائمة على مصالح ظرفية قابلة للانفجار عند أول اختبار حقيقي.
في موازاة ذلك، بدأت التحركات الدولية ترسم ملامح ضغط متصاعد على المشهد العراقي. فالعراق، بحكم موقعه الجيوسياسي وتشابك مصالحه الاقتصادية والأمنية، لا يستطيع عزل نفسه عن حسابات القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
ومع صدور موقف أمريكي واضح يرفض المسار الذي يمضي به الإطار، وجد الأخير نفسه في خانة ضيقة للغاية: إما المضي في خياراته الداخلية ومواجهة تداعيات خارجية قد تكون قاسية، أو إعادة الحسابات والبحث عن تسوية تحفظ الحد الأدنى من التوازن مع واشنطن.
المعضلة هنا ليست سياسية فحسب، بل سيادية واقتصادية وأمنية أيضاً. فتوتر العلاقة مع الولايات المتحدة لا ينعكس فقط على مستوى الخطاب الدبلوماسي، بل يمتد إلى ملفات حساسة تتعلق بالاستقرار المالي، وحركة الاستثمار، والدعم الدولي، وحتى التعاون الأمني.
وأي تصعيد غير محسوب قد يدفع العراق ثمناً باهظاً، في وقت يعاني فيه أصلاً من هشاشة داخلية وتحديات تنموية متراكمة.
أمام هذا الواقع، يصبح الإطار التنسيقي مطالباً بإجراء مراجعة عميقة لخياراته، والعودة إلى منطق احترام الإرادة الوطنية والاحتكام إلى المسار الدستوري، بدلاً من سياسة فرض الوقائع بالقوة السياسية.
كما أن إعادة فتح قنوات التفاهم مع القوى التي جرى إبعادها، وترميم البيت الداخلي، تمثل خطوة أساسية لتقليل حجم الخسائر واستعادة شيء من التوازن المفقود.
الخروج من “عنق الزجاجة” الذي حشر الإطار نفسه فيه لن يكون سهلاً ولا سريعاً، لكنه ممكن إذا ما توفرت الإرادة السياسية الحقيقية، وتم تقديم مصلحة الدولة على حساب الحسابات الفئوية الضيقة.
فاللحظة الراهنة لا تحتمل مزيداً من المغامرات أو المكابرة، بل تحتاج إلى شجاعة الاعتراف بالخطأ، والانتقال من منطق كسر الإرادات إلى منطق بناء التوافق الوطني، بما يحفظ استقرار العراق ويصون علاقاته الخارجية، ويعيد الثقة بالعملية السياسية أمام الرأي العام.
*
اضافة التعليق
العراق يدعو تركيا للتعاون في ملف المياه و طريق التنمية
ائتلاف السوداني يرفض الاملاءات الخارجية و يؤكد على احترام الإرادة الوطنية
المجلس الوزاري للاقتصاد ينفي استقطاع رواتب الموظفين
السياسي العراقي ليث شبر يوجه رسالة مهمة إلى مرجعية النجف والنخب السياسية والأكاديمية في العراق
ائتلاف الإعمار والتنمية يصدر بياناً مهماً حول الموقف من التدخلات الدولية بالشأن العراقي
النزاهة تحدد 8 خطوات لتحسين جودة الهواء والحد من التلوث في بغداد