هيئة النزاهة الاتحادية.. استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد بمشاركة آلاف الموظفين

رأي العراق اليوم  

لم تعد مكافحة الفساد في العراق تقتصر على الإجراءات الرقابية وملاحقة المتورطين في قضايا الاستيلاء على المال العام، بل اتجهت هيئة النزاهة الاتحادية إلى العمل على مسار أوسع يقوم على بناء منظومة وطنية متكاملة للوقاية من الفساد، ومعالجة أسبابه، والحد من الظواهر الإدارية والسلوكية التي تهيئ البيئة لانتشاره.

وفي هذا الإطار، تمثل الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد أحد المسارات المهمة في جهود الهيئة، لما تتضمنه من توجهات تستهدف تعزيز النزاهة والشفافية وترسيخ مبادئ المساءلة داخل مؤسسات الدولة، إلى جانب نشر ثقافة رفض الفساد وتحويلها إلى ممارسة مؤسسية ومجتمعية مستدامة.

ومن أبرز ملامح هذا المشروع انخراط آلاف الموظفين في المؤسسات الحكومية ضمن برامجه وأنشطته، في خطوة تعكس أهمية إشراك العاملين في القطاع العام في عملية الإصلاح، باعتبارهم جزءا أساسيا من منظومة العمل الإداري، والأقدر على المساهمة في تشخيص مكامن الخلل والحد من الممارسات التي تفتح الطريق أمام الفساد.

إن إشراك هذا العدد الكبير من الموظفين يحمل دلالة مهمة، تتمثل في الانتقال من التعامل مع الفساد بوصفه مخالفات فردية يجري اكتشافها بعد وقوعها، إلى العمل على منع أسبابه قبل أن تتحول إلى تجاوزات أو جرائم مالية وإدارية. فالموظف الذي يمتلك الوعي القانوني والمهني، ويدرك مسؤولياته الوظيفية، يمثل خط دفاع أول في حماية المال العام وصيانة مؤسسات الدولة.

كما أن مكافحة الفساد لا تتحقق بالملاحقات القضائية والرقابية وحدها، على أهميتها، وإنما تحتاج إلى معالجة الظواهر التي تسهم في ظهوره، وفي مقدمتها ضعف الالتزام بالتعليمات، والبيروقراطية، واستغلال المنصب الوظيفي، وتضارب المصالح، وغياب الشفافية في بعض الإجراءات الإدارية.

وتبرز هنا أهمية الدور التوعوي والتدريبي الذي تضطلع به هيئة النزاهة، من خلال تعزيز قدرات الموظفين، وتعريفهم بواجباتهم القانونية، وترسيخ قيم الأمانة والمسؤولية، وتشجيع الإبلاغ عن المخالفات، وتوفير بيئة إدارية لا تتسامح مع التجاوز على المال العام أو استغلال الوظيفة لتحقيق المصالح الشخصية.

إن الرهان الحقيقي في هذه الاستراتيجية لا يقف عند عدد المشاركين أو البرامج المنفذة، بل يمتد إلى قدرتها على إحداث تغيير ملموس في سلوك المؤسسات والأفراد، وتقليص فرص الفساد، ورفع مستوى الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

وبذلك، تضع هيئة النزاهة الاتحادية مكافحة الفساد أمام مفهوم أكثر شمولا، يقوم على الوقاية إلى جانب الردع، والتوعية إلى جانب المحاسبة، والمشاركة المؤسسية إلى جانب العمل الرقابي، وصولا إلى بناء إدارة حكومية أكثر نزاهة وكفاءة، تكون فيها حماية المال العام مسؤولية مشتركة وثقافة راسخة لا مجرد شعار.