أنت أشرف من ( شريفهم ) يا عايدة ..

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة

فالح حسون الدراجي

لم يخطر في بالي العودة للكتابة وأنا لم أزل أعاني من بعض الآلام الناتجة عن العملية الجراحية التي أجريتُها قبل شهر تقريباً.. لكنّ الحلقة الموجِعة التي قدمها الصديق والزميل، والباحث المجتهد، الدكتور حميد عبد الله من برنامجه المهم ( تلك الأيام )، عن اعتقال وتعذيب واستشهاد المناضلة الشيوعية الفذة، عايدة ياسين وما رافق ذلك من انتهاكات وممارسات لا أخلاقية فظيعة، ارتكبها حفنةٌ من الجلادين والقتلة المنتسبين (للأمن العام) والمخابرات الصدامية، استفزتني، وأوجعتني بل وأفقدتني قدرتي على الصبر والتحكم بأعصابي، حتى رحت أبكي بكاءً مراً، بحيث لم تعد لآلامي، ومعاناتي الجسدية، أهمية تذكر إزاء ( الآلام ) التي فجرها حميد عبد الله، وهو يروي تفاصيل الوصمة الأخلاقية، وأحداث ( العار) الأسود الذي جلل أسماء وعناوين المجرمين الذين أشرفوا على التحقيق والتعذيب في زنزانات الموت الرهيبة، بدءاً من المقبور فاضل البراك، والضباط السفلة الأربعة، والمفوضين (المنحطِّين) ياسين وسعد، وانتهاءً ببقية الجوق الفاشي الذي أشرف على تنفيذ هذه الجريمة.. ولا أخفي عليكم فإنَّ حزني لمصيبة هذه المرأة النجيبة، وما تعرضت له من انتهاكات غير أخلاقية في زنزانات (الأمن العامة )، لم يخفف من شعوري بالعار والخزي، وأنا أسأل نفسي، وأقول : أحقاً أنَّ هؤلاء المجرمين والقتلة الأوباش، عراقيون مثلي ومثل بقية العراقيين، وكيف يمكن أن يشاركنا مثل هؤلاء السفلة، شرف الانتماء لهذا الوطن الطيب الجميل، ويقاسموننا أيضاً شرف الانتساب للجنسية العراقية الحرة والأصيلة؟ 

ولعل المصيبة الأعظم لا تكمن في ( عراقية ) هؤلاء السفّاحين فحسب، إنما أيضاً في وجود الآلاف من ( العراقيين ) الذين مازالوا حتى اللحظة، يدافعون عن نظام صدام المجرم، وعن مثل هؤلاء القتلة، رغم كل الفضائح والفظائع البشعة التي ارتكبها النظام وأزلامه والتي باتت تتكشف كل يوم بعد سقوط النظام البعثي .. 

إن قسوة الاعتداء الآثم على شرف المرأة العراقية الحرة عايدة ياسين، ووجع الفجيعة التي تعرضت لها (أم علي) فضلاً عن شعوري بالعار بسبب (عراقيّة) هؤلاء الأوباش الذين يشاركوننا للأسف صفة المواطنة، دفعني لكتابة هذا المقال، رغم ظروفي الصحية القاسية، إذ ماذا يمتلك الكاتب حين يكون أمام مثل هذه البشاعة، غير قلمه، وبياض ضميره؟

وقطعاً فأني لست الوحيد الذي أوجعته، واستفزّته رواية حميد عبد الله عن الشهيدة عايدة ياسين، إنما استفزَّت وأوجَعت وأبكَت كلّ عراقي سمع تفاصيل هذه القصة الدرامية المُرّة. إذ كيف لا يُستفزّ العراقي الغيور، وهو يسمع أن ثمّة عراقية نجيبة لاحول لها ولا قوة، تُغتصب أربع عشرة مرة من قبل عدد من رجال الأمن ( العراقيين)، وهي مُدمّاة الوجه، مُمزَّقةُ الثيابِ، ومغلولةُ اليدينِ من الخلفِ، وكل ذنبها أنها تحمل فكراً مختلفاً عن فكر البعث الفاشي، وأنها تصرّ على حفظ الأمانة الأخلاقية التي تعهدت بحفظها مهما كان الثمن غالياً، فصمُدت رغم التعذيب الوحشي، وهو  الصمود الذي عجَز الأوباش عن كسره، وأفشلَ مسعى القتلة بالحصول على اسم واحد من أسماء رفاقها المؤتمَنة عليها، فحمَتْ بذلك أرواحاً بريئة كانت ستُزهق حتماً لو لم تصمُد عايدة أمام جلاديها.

وأظنُّ أنّ الدكتور حميد نفسه قد بكى أكثر من مرة، وهو يعدُّ لهذه الحلقة، أو يسجلُها، أو  يراجعُها، وقد كان التأثر والانكسار واضحاً في صوته، وطريقة أدائه، التي بدتْ مختلفة تماماً عن طريقة أدائه السابقة ..

قد يقول البعض إنّ صمود عايدة ياسين الأسطوري يدعو للفخر، والتباهي بها، وليس إلى البكاء والانكسار. وأنا أقول: نعم هو أمر مشرّف فعلاً، لكنّ الذي يدفعني للحزن والبكاء، هو أن تضع الأقدار مثل هذه الفتاة الحرّة بيد حفنة من الذئاب البشرية المفترسة، الفاقدة لكل قيم الشرف والرجولة، فتتعرض بعفتها وطُهرها لـ ( وِلية غمّان) غريبة، لم يحدث مثلها من قبل..فتقاوم، وتقاوم، حتى يفقد زعيم العصابة صبره، فيتناول عصا غليضة (توثيّة) ويضربها بقوة على رأسها لتلفظ أنفاسها، بعد أن ضربت مثلاً عظيماً في صمود المرأة الشيوعية، وعفّة الحرائر العراقيات.

لقد بدأت علاقتي بالشهيدة عايدة ياسين بعد مرور سنوات على استشهادها، حين التقيتُ في عمان سنة 1997، بصديقي الروائي والكاتب ناجح المعموري، والروائي جاسم عاصي، وعدد آخر من المثقفين العراقيين في حفلة أقيمت بذكرى ميلاد الحزب الشيوعي العراقي، وأذكر أني قرأت وقتها قصيدة عن الشهيد ( فهد ) نالت إعجاب العزيز ناجح، الذي بادرني بالسؤال، قائلاً: هل كتبتَ شيئاً عن الشهيدة عايدة ياسين؟ 

قلتُ له: لا للأسف ..

فقال: لماذا لم تكتبْ عن هذه البطلة الفذة؟

قلت: يُشرّفني ذلك، لكني لا أملك المعلومات الكافية لكتابة قصيدة بحجمها..

فما كان من ناجح إلّا أنْ راح يَسرد قصة انتماء ونضال هذه الشيوعية البصراوية التي أصبحت عضواً في اللجنة المركزية للحزب.. وللحق فإن ناجح لم يأتِ بجديد من المعلومات التي أعرفها ويعرفها غيري عن الشهيدة عايدة، لكنه لفت انتباهي نحو ضرورة الكتابة عن هذه المناضلة البطلة.. وله يعود الفضل في ذلك . أما السّردية الموجعة التي جاء بها حميد عبد الله عن اعتقال الشهيدة عايدة، فهي جديدة علينا تماماً، ومن هنا تأتي أهميتها .. فالرجل نقل لنا اعترافاً عن أحد المسؤولين في تلك الأجهزة الأمنية الصدامية، متحدثاً بإعجاب عن صمود عايدة وصلابتها الأسطورية، وعن قسوة وسفالة القتلة الذين أشرفوا على التحقيق معها ومع مئات الآلاف من المناضلين والمجاهدين العراقيين في زنازين نظام صدام الفاشي. ولولا حميد عبد الله لما كُنا سنتعرف على هذه السردية، ولا على غيرها من الحَكايا الموجعة لأن خروج هكذا معلومات سرية من خلف قضبان المعتقلات البعثية، يعد أمراً مستحيلاً آنذاك، إذ من يجرؤ على إفشاء مثل هذه الأسرار الرهيبة، بل ومن سيُغامر بنقلها قبل سقوط النظام الصدامي المرعب.. وما قصة الشهيدة عايدة ياسين إلّا الدليل على ذلك..

لقد زرع الصديق ناجح المعموري كلماته في ذاتي وقلبي ووجداني وهو يحثّني على الكتابة عن الخالدة عايدة ياسين، ورحتُ من ساعتها أرسم للشهيدة في مخيلتي صورة إنسانية ناعمة، رقيقة، لا ترتبط بوهج الصمود المدهش الذي أبدته أمام جلاديها.. إنما صورة لفتاة عراقية محبة للحياة والجمال والسلام .. وعلى جوهر هذه الفكرة الإنسانية البحتة، نسجتُ قصيدتي بيتاً بيتاً .. وحين أكملتها كان الصديق ناجح قد غادر عمان.. 

 فاحتفظتُ بهذه القصيدة الغنائية ومعها قصيدة عن الشهيد فهد، منتظراً اليوم الذي يسمعُها الناس بلحنٍ حلو، وصوت غنائي جميل، حتى جاء هذا اليوم بعد حوالي ثلاث سنوات، حين قدّمها فنان الشعب فؤاد سالم بصوته مع تسعة نصوص أخرى كتبتُها له في شريط حمل اسم (شهداء الطريق) وهو الشريط الذي أخرجه الفنان نوار العزاوي وأنتجه، ودعم تسجيله الإتحاد الديمقراطي العراقي في الولايات المتحدة / ولاية مشيغان/ .. وبتشجيع كبير من الرفيق الراحل فائق بطي. لقد ضمّ هذا الشريط عشر أغنيات تتغنى ببسالة عشرة شهداء شيوعيين أفذاذ، هم: فهد، سلام عادل، جمال الحيدري، محمد الخضري، جورج تلو ،حسن السريع، هندال البصري، عايدة ياسين، شمران الياسري (أبو گاطع)، وأغنية جمعت الشهيدين بيا صليوة وفكرت جاويد ..

تقول أغنية عايدة ياسين في أحد مقاطعها الغنائية :

" يانساء العالم اتجَمعن سِوه.. واخْذَن وياچن ثُريات وضوه .. روحَنْ لبيت الشهيدة الخالدة .. وكتبَن بمَيّ الذهب ياعايدة..

حزبچ برغم المِحن زادْ وقُوَه .. يانساء العالم اتجمعن سوه ..

إخذن وياچن مِسچ وأخذَنْ سِعِدْ..  وأخذن ورود.. الشهيدة تحِبْ ورد ..

أخذن وياچن بخور .. 

وازرعَن مأواهَا نور ..

وافتحَنْ شباچ خَلْ تِشتَم هوه .. يا نساء العالم اتجمعَن سِوه ..".

ملاحظة : أحد الزملاء في الجريدة اعترضَ على عنوان المقال، بقوله: ( وهل في هؤلاءِ الأوباش، شرفاءُ، كي تكونَ الشهيدةُ عايدة أشرفَ من شريفِهم ) ؟!

رابط أغنية الشهيدة عايدة ياسين، بصوت الفنان فؤاد سالم