بغداد- العراق اليوم:
في التاريخ السياسي مواقف لا تُقاس بعدد الأصوات ولا بعدد المقاعد، وإنما بما تحمله من شجاعة ومسؤولية وانحياز واضح إلى الناس. ومن بين تلك المواقف، يبقى موقف النائب رائد فهمي والنائبة هيفاء الأمين، عن الحزب الشيوعي العراقي، من أبرز المواقف التي رافقت انتفاضة تشرين 2019.
فبعد أيام قليلة من اندلاع الاحتجاجات، اختار النائبان الاستقالة من مجلس النواب، في موقف سياسي لم يكن سهلاً، خصوصاً في ظل التطورات الدراماتيكية التي شهدتها البلاد آنذاك. وقدما بذلك صورة مختلفة للسياسي الذي يرى أن موقعه النيابي ليس امتيازاً شخصياً، بل مسؤولية أخلاقية وسياسية تجاه المجتمع والناس.
وبين هذا الموقف، يقف اليوم خطاب آخر يصف تشرين بأنها «فتنة»، في توصيف يثير الكثير من الأسئلة حول قراءة تلك المرحلة، وحول الأسباب التي دفعت آلاف العراقيين إلى الخروج إلى الشوارع للمطالبة بالإصلاح ومحاربة الفساد وتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل وبناء دولة أكثر عدلاً.
لقد كان موقف الحزب الشيوعي العراقي، ونوابه وأعضائه، منحازاً بصورة واضحة إلى الفئات الفقيرة والمهمشة، وإلى أولئك الذين أُهدرت حقوقهم وضاعت سنوات من أعمارهم تحت وطأة الفساد وسوء الإدارة والمحاصصة السياسية.
وهنا يكمن الفرق.
الفرق بين من اختار أن يدفع ثمناً سياسياً لموقفه، وبين من اختار لاحقاً أن يختزل حركة احتجاجية واسعة بشعار أو توصيف لا يعكس حجم ما جرى في الشارع العراقي.
قد يختلف العراقيون في تقييم تشرين، وفي نتائجها ومساراتها وما آلت إليه لاحقاً، وهذا أمر طبيعي في السياسة. لكن الاختلاف لا يلغي حقيقة أن تشرين كانت لحظة مفصلية في الوعي السياسي العراقي، وأنها عبّرت عن غضب اجتماعي واسع تجاه واقع سياسي واقتصادي وخدمي لم يعد مقبولاً لدى قطاعات كبيرة من المجتمع.
نعم، تمكنت قوى سياسية مختلفة، مع مرور الوقت، من تقليص مساحة الحركة الاحتجاجية وتراجع زخمها في الشارع، لكن ذلك لا يعني أن المواقف التي اتخذت في لحظتها فقدت قيمتها.
فالمواقف الصعبة تُعرف في لحظتها، وليس بعد أن تهدأ العاصفة.
وقد ينجح السياسي في الحفاظ على مقعده، وقد يخسر آخر مقعده من أجل موقف، لكن ذاكرة الشعوب لا تحتفظ دائماً بمن بقي في الموقع، بل بمن اختار أن يقول ما يؤمن به ويدفع ثمنه.
ولهذا بقي موقف نواب الحزب الشيوعي العراقي من تشرين حاضراً في الذاكرة السياسية العراقية، بوصفه موقفاً ارتبط بالاحتجاج والمطالبة بالإصلاح والانحياز إلى الفئات التي شعرت طويلاً بأن حقوقها مؤجلة.
أما تشرين، فستبقى بحاجة إلى قراءة هادئة ومنصفة، بعيداً عن التقديس أو التخوين، وبعيداً عن اختزالها بكلمة واحدة.
فبين من استقال احتجاجاً وانحاز إلى الشارع، ومن وصف الاحتجاج بالفتنة، مساحة واسعة من الأسئلة السياسية والأخلاقية التي سيواصل العراقيون طرحها، وربما ستجيب عنها الأيام أكثر مما تجيب عنها الخطابات.
رابط الفيديو:
https://web.facebook.com/reel/1279514794223540
*
اضافة التعليق
نائب يكشف تفاصيل ملف عدنان الجميلي: 37 متهماً بينهم وزراء ونواب ورجال أعمال
تيار الحكمة: المالكي وحمودي أوقفا التصعيد الإعلامي بشأن حصر السلاح
الدليمي: تسليم سلاح المقاومة مشروط بانسحاب القوات الأجنبية واحترام سيادة العراق
السراج: ضعف الدبلوماسية العراقية شجّع على التمادي في التجاوزات
هل يصح أن تبقى وزارة الداخلية بلا وزير؟
زيباري يحذر من عقوبات أميركية تطال الطيران والنفط والغاز والمصارف في العراق