بغداد- العراق اليوم:
افتتاحية جريدة الحقيقة
فالح حسون الدراجي
تحت يديّ عشرات البيانات والوثائق والتصريحات التي تناشد كبار المسؤولين في الدولة العراقية، بدءاً من دولة رئيس الوزراء علي الزيدي، ورئيسَي مجلس القضاء الأعلى، ومجلس النواب المحترمين، إلى بقية مسؤولي الدولة.. وأول هذه البيانات، البيان الذي أصدره اتحاد نقابات العمال في العراق، فضلاً عن تواصلنا شخصياً مع أمينه العام، الأستاذ عدنان الصفار، ومع عدد غير قليل من المعنيين بهذا المجال، وقد تضمنت هذه البيانات والمناشدات والاتصالات، موضوعاً يتعلق بشركات ومصانع وزارة الصناعة والمعادن، وما تعرضت وتتعرض له خلال السنوات الماضية من سياسات وإجراءات غير اقتصادية، أسهمت بتدهور أوضاعها وتحويل عدد كبير منها إلى شركات ومصانع خاسرة، وتناولت المخاوف من أن يؤدي استمرار هذا النهج إلى جعل هذه الشركات مهيّأة جداً للخصخصة أو لأنماط من الاستثمار والشراكة غير المدروسة، والبيع كذلك، وقد يفتح المجال لصالح جهات وشخصيات نافذة على حساب مصلحة البلد، ومستقبل الصناعة الوطنية وحقوق العاملين فيها. وما طلبُ معالي وزير الصناعة محمد نوري الكربولي، الموجّه إلى مجلس الوزراء بخصوص استثمار موقع مقر شركة الصناعات الجلدية في منطقة الكرادة، تجارياً أو بيعه، إلّا أحد هذه الأبواب ( الخاصة) التي يمكن ان تستغل لمصالح شخصية.. وقد أثار هذا المقترح ردود أفعال ناقدة، ومتابعة شعبية ورسمية، وتفاعلات إعلامية واسعة.. خاصة أن القيمة الحقيقية لأرض هذا الموقع تقدر بربع مليار دولار- أكرر ربع مليار دولار - حيث أن سعر المتر المربع الواحد من أرض الشركة العامة للصناعات الجلدية (مصنع الجلود سابقاً) في شارع الكرادة التجاري يقدر حالياً ب 12,000 دولار أمريكي. ومساحة الموقع تبلغ 6 دونمات- أي ما يعادل نحو 15,000 متر مربع- وهو موقع استراتيجي يقع على الشارع العام التجاري في الكرادة خارج، بالقرب من ساحة الحرية، ويعتبر موقعاً تجارياً ثميناً يصلح لإنشاء مشاريع ضخمة كالفنادق أو المجمعات الاستثمارية الفخمة ..! إن رفض الشارع العراقي لهذا المقترح جاء خوفاً على ضياع ما تبقى من مصانع ومعامل وشركات كبيرة تابعة للدولة أمثال ألبان ابي غريب وأدوية سامراء، ومعامل الاسمنت، وما مصنع الجلود الذي يعرض مقره للبيع أو للاستثمار، إلا حلقة واحدة من مسلسل انهيار طويل بدأت حلقاته من قانون دمج مصانع وشركات الدولة في العراق الذي صدر عام 1997، أي في عهد صدام حسين.. ثم جاء الفصل الثاني من هذا المسلسل عام 2015 عقب التراجع الاقتصادي الكبير، حين اتخذ مجلس الوزراء العراقي قراراً بدمج وتقليص شركات وزارة الصناعة والمعادن. كما تم في عام 2017 أيضاً دمج مجموعة من المصانع والشركات العسكرية مثل مصانع اليرموك والقادسية والقعقاع وحطين والحارث وحمورابي، وربطها بالكامل مع شركة الصناعات الحربية العامة، بحجة إعادة إحياء خطوط الإنتاج العسكري .. وهكذا تتواصل الحلقات التي بدأت بالدمج وستنتهي عاجلاً أم آجلاً إلى التفصيخ في محلات كسرة وعطش.. أما أراضي مصانع وشركات القطاع العام الاستراتيجية، فستكون من بخت هذا الصماخ الكبير، أو نصيب ذاك الزعيم ..! وهنا أودّ أن أحكي لكم حكاية الثائر الأممي جيفارا، عسى أن نستفيد منها في معالجة الخلل الذي نحن فيه الان : والحكاية تبدأ منذ تولي (جيفارا )، منصب وزير الصناعة في كوبا بين عامي 1961 و1965، حيث قام بتأسيس قاعدة صناعية صلبة، جنت كوبا ولم تزل تجني ثمارها حتى اليوم.. إذ قاد جيفارا بعد انتصار الثورة على نظام باتيستا الاستبدادي، خطة صناعية رصينة لتحويل الاقتصاد الكوبي من اقتصاد زراعي متخلف يعتمد على قصب السكر، إلى اقتصاد صناعي مكتفٍ ذاتياً، فتمكن من مأسسة البحث العلمي وإدخال التكنولوجيا الحديثة، وأنشأ في الحال تسعة معاهد متخصصة و متقدمة في البحث العلمي والتطوير الصناعي، شملت قطاعات استكشاف النفط والصناعة الدوائية، والصناعات الكيميائية، وتطوير مشتقات السكر..واستخراج النيكل، واستكشاف الثروات، وغيرها من الصناعات الكبيرة والمهمة، كما أشرف بنفسه على متابعة معامل ومصانع القطاع العام، الأمر الذي ساهم باكتفاء كوبا الذاتي، وعدم الاعتماد على الأسواق الرأسمالية.. وقد نجح في منع هافانا من السقوط رغم الحصار الأمريكي الخانق الذي بدأ منذ 67 عاماً حتى هذه اللحظة ..! وأذكر أن أحد الصحفيين الأمريكيين سأل جيفارا، عند وصوله إلى نيويورك عام 1964، سؤالاً خبيثاً قال فيه: لماذا وضعك الرئيس كاسترو، وزيراً للصناعة وأنت شريكه في قيادة الثورة، ولم يمنحك منصباً مهماً كوزير الدفاع او الخارجية او المالية؟! فضحك جيفارا وقال له: أنا الذي اخترت هذه الوزارة وليس كاسترو، لأن وزارة الصناعة برأيي هي الأهم في بلد نامٍ يحتاج إلى العمل والجهد والخطط الناهضة، اكثر ما يحتاج للمنصات وعدسات الكاميرات، او الأوسمة والنياشين، والمؤتمرات ..! لقد ذكرت جيفارا مثالاً، في مقالي هذا، وأنا أرى بامّ عيني صناعتنا الوطنية تنهار، ومصانع القطاع العام معرضة للبيع، أو ( الاستثمار).. وقد لا يعرف بعض مسؤولينا أن مصانع القطاع العام في الدول النامية، هي الأداة الرئيسية الأهم في بناء قاعدة صناعية متينة، وفي تحقيق الاستقلال الاقتصادي، وتوفير فرص العمل الأساسية - خاصة في ظل ضعف القطاع الخاص -، وهنا أستطيع أن ألخّص أهمية المصانع التي ربما يجهلها مسؤولونا، بهذه النقاط الاستراتيجية : أولاً : تأسيس صناعات ثقيلة، واستثمار جاد في قطاعات ضخمة كالحديد والصلب، والبتروكيماويات والأسمنت، والتي تتطلب رؤوس أموال هائلة تعجز الشركات الخاصة عن توفيرها. ثانياً:خلق فرص عمل عبر استيعاب الأيدي العاملة المتدفقة من الأرياف والمناطق النائية، مما يسهم في خفض معدلات البطالة والحد من الفقر، وتخفيف الضغط عن أبواب التطوع في وزارتي الدفاع والداخلية. ثالثاً: تحقيق الأمن القومي، الاستراتيجي، من خلال إنتاج السلع الأساسية والمواد الأولية محلياً لحماية الدولة من تقلبات الأسواق العالمية ومن ثقل وأذى الضغوط الخارجية. رابعاً: توفير البنية التحتية الصناعية، عبر تحفيز نمو القطاعات الأخرى وتنشيط الخدمات اللوجستية والنقل والتمويل وغيرها. خامساً: تقليل الاعتماد على الخارج والحد من استيراد السلع المصنعة، وتوفير العملات الأجنبية عبر إحلال الواردات بالإنتاج المحلي. وأخيراً، تسهم شركات ومصانع القطاع العام في تطوير المهارات الوطنية، من خلال توفير مراكز ومعاهد للتدريب المهني وبناء الكوادر الفنية والمهندسين، والرفع من الكفاءة التكنولوجية للبلاد. وهذا ما فعله جيفارا حين وسّع من خيارات الاقتصاد الوطني الكوبي، ونجح في إنقاذ كوبا من محنة الاعتماد على واردات السكر فقط.. واليوم، يمكن لنا نحن أيضاً أن ننقذ اقتصادنا، بحاضره ومستقبله، من مشكلة الاعتماد على واردات النفط الذي سينضبّ يوما ما دون شك، فضلاً عن تقلبات سوقه، ومشاكل تصديره، وما مشكلة مضيق هرمز إلا واحدة من هذه المشاكل. فهل سينتبه مسؤولونا لخطورة بيع مصانع القطاع العام، والتي يقال إن بعضها سيباع: أربعة بربع ..؟!
*
اضافة التعليق
عيد ميلاد سعيد ( فلوحي)
ماذا لو كانت أخبار مخطط اغتيال القاضي فائق زيدان صحيحة ؟!
من قتل «أبو گاطع»؟
ثلاثة، لا أرد على شتائمهم !
العريف عليوي واشتراكية خير الله طلفاح ..!
على (طريق الحسين) .. مشى جيفارا وبقية الثوار