السوداني.. ومشروع الطاقة الشمسية والمتجددة

رأي العراق اليوم  

منذ تسلمه رئاسة الحكومة، وضع محمد شياع السوداني ملف الطاقة في صدارة أولويات برنامجه الحكومي، مدركاً أن مستقبل العراق لا يمكن أن يبقى مرهوناً بمصادر الطاقة التقليدية وحدها، وأن التحول نحو الطاقة المتجددة بات ضرورة اقتصادية وبيئية واستراتيجية تفرضها المتغيرات العالمية وحاجة البلاد المتزايدة إلى الكهرباء.

وفي هذا السياق، اتخذت حكومة السوداني خطوات عملية وملموسة نحو بناء قطاع متطور للطاقة النظيفة، عبر إبرام عقود واتفاقيات مع شركات عالمية رصينة، والسعي إلى تنويع مصادر إنتاج الكهرباء وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري في تشغيل محطات التوليد.

ويأتي مشروع شركة توتال إنيرجيز الفرنسية في مقدمة هذه المشاريع الاستراتيجية، إذ يتضمن مشروع جنوب العراق المتكامل إنشاء محطة عملاقة للطاقة الشمسية بقدرة تصل إلى ألف ميغاواط، فضلاً عن مشاريع استثمار الغاز المصاحب وتقليل حرقه، بما يحقق هدفين متوازيين هما تعزيز إنتاج الكهرباء وخفض الانبعاثات البيئية. 

وقد شهدت السنوات الأخيرة تقدماً واضحاً في تنفيذ مراحل هذا المشروع، مع الإعلان عن إنجاز المرحلة الأولى الخاصة بمحطة الطاقة الشمسية بقدرة 250 ميغاواط.

ولم تتوقف جهود الحكومة عند مشروع توتال فحسب، بل امتدت إلى تعزيز الشراكة مع شركة "مصدر" الإماراتية، التي تعمل على مشروع لتوليد ألف ميغاواط من الطاقة الشمسية في العراق، ضمن توجه حكومي واضح لتوسيع مساهمة الطاقة النظيفة في الشبكة الوطنية للكهرباء. وقد ناقش السوداني بشكل مباشر مع المسؤولين الإماراتيين الخطوات التنفيذية اللازمة للمضي بهذا المشروع الحيوي، الذي يمثل أحد أكبر مشاريع الطاقة المتجددة في البلاد.

إن أهمية هذه المشاريع لا تكمن في أرقامها الإنتاجية فقط، بل في ما تمثله من تحول استراتيجي في فلسفة إدارة قطاع الطاقة. فالعراق الذي عُرف لعقود طويلة بكونه بلداً نفطياً يعتمد على الوقود الأحفوري، بدأ اليوم يخطو بثقة نحو استثمار موارده الطبيعية الأخرى، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية التي يمتلك فيها إمكانات هائلة بفضل عدد ساعات السطوع الشمسي المرتفعة على مدار العام.

كما أن مشاريع الطاقة المتجددة تسهم في معالجة واحدة من أكثر المشكلات إلحاحاً، وهي الضغط المتزايد على المنظومة الكهربائية الوطنية. 

فكل ميغاواط يتم إنتاجه من الطاقة الشمسية يعني تقليل استهلاك الوقود، وخفض الكلف التشغيلية، وتقليل الانبعاثات الملوثة للبيئة، فضلاً عن توفير فرص عمل جديدة في قطاعات التكنولوجيا والطاقة الحديثة.

وتعكس العقود والاتفاقيات التي أبرمتها حكومة السوداني مع الشركات العالمية الكبرى ثقة متزايدة بالبيئة الاستثمارية العراقية، وهو ما تجلى أيضاً في التوسع المستمر لمشروع تنمية الغاز المتكامل الذي تنفذه توتال إنيرجيز بالشراكة مع وزارة النفط وشركات دولية أخرى، والذي يهدف إلى استثمار الغاز المصاحب وتحويله إلى مصدر فعّال لتغذية محطات الكهرباء وتقليل الاعتماد على الاستيراد الخارجي للطاقة.

إن ما تحقق حتى الآن يمثل بداية مهمة لمسار طويل، لكنه يؤكد في الوقت ذاته وجود رؤية حكومية واضحة لإحداث تحول حقيقي في قطاع الطاقة. فمشروع الطاقة الشمسية والمتجددة لم يعد مجرد فكرة أو خطة مستقبلية، بل أصبح واقعاً تدعمه العقود والاستثمارات والمشاريع التي دخلت مراحل التنفيذ.

ومع استمرار العمل بهذه الوتيرة، قد يشهد العراق خلال السنوات المقبلة تحولاً نوعياً في قطاع الكهرباء والطاقة، ليصبح أكثر قدرة على تلبية احتياجات المواطنين وتحقيق التنمية المستدامة، مستفيداً من ثرواته الطبيعية المتنوعة ومن شراكاته الدولية التي وضعت أسساً جديدة لمستقبل الطاقة النظيفة في البلاد.