"الفساد الوطني"

بغداد- العراق اليوم:

جاسم الحلفي

يتقاسم المتحاصصون السلطة والمال والنفوذ باسم "الشراكة الوطنية". وتُخاض المعارك السياسية حول الحصص والمواقع والمناصب، ويُرفع شعار الدفاع عن حقوق المكونات بوصفه المبرر الدائم لهذا التقاسم. لكن المفارقة أن ما يفرّقهم في السياسة يجمعهم في الفساد.

فحين يُفتح ملف من ملفات النهب الكبرى، سرعان ما تتكشف شبكة واسعة من المصالح المتداخلة تمتد عبر الأحزاب والطوائف والقوميات. وعندها تتراجع الحدود التي تُرسم في الخطابات السياسية، لتحل محلها شراكة من نوع آخر، شراكة في المنافع والحماية وتقاسم الصمت.

في نظام المحاصصة لا يجري توزيع المناصب فقط، بل يجري أيضاً توزيع النفوذ والمصالح. لذلك لا يكون الفساد في كثير من الأحيان فعلاً فردياً، بل نشاطاً جماعياً تحرسه شبكة من المستفيدين. وحين تُعقد صفقة مشبوهة أو تُنهب أموال عامة، كثيراً ما يجري إشراك أطراف متعددة من اتجاهات ومكونات مختلفة، ليس بالضرورة لأن لها دوراً مباشراً في الصفقة، بل لأن وجودها يوفر الحماية، ويمنع المساءلة، ويعقّد الوصول إلى الحقيقة.

وهكذا يتحول الفساد إلى منظومة حماية متبادلة، يغدو فيها كشف المتورطين أو محاسبتهم تهديداً لمصالح شبكة واسعة من المنتفعين. وعندها لا يعود الفاسد فرداً يبحث عن حماية، بل جزءاً من منظومة قادرة على توفيرالحماية.

من هنا يمكن فهم كيفية بقاء ملفات فساد كبرى سنوات طويلة من دون حسم، وكيفية تحول بعض القضايا إلى مادة للاستهلاك الإعلامي والتجاذب السياسي، أكثر من كونها ملفات للمحاسبة. فحين تتشابك المصالح، تتعطل الرقابة، وتصبح المساءلة انتقائية، ويتراجع القانون أمام نفوذ الشركاء في الغنيمة.

ولعل ما تكشفه التحقيقات المتلاحقة في ملفات الفساد الكبرى يؤكد أن المشكلة لا تكمن في شخص أو جهة بعينها، بل في منظومة جعلت من المال العام مجالاً للتقاسم، ومن الدولة ساحة لتوزيع المنافع، ومن المحاصصة مظلة للحماية المتبادلة.

إن أخطر ما أنتجته المحاصصة ليس تعطيل الدولة فقط، بل إنتاج ما يمكن تسميته بـ"الفساد الوطني". فساد لا يعترف بالانقسامات التي يتحدث عنها الساسة، لأنه يجد مصلحته في تجاوزها. فحين يتعلق الأمر بالغنيمة، تتراجع الخلافات، وتتقدم المصالح.

وإن أخطر ما في الفساد ليس حجم الأموال المنهوبة مهما بلغ، بل شبكة الحماية التي تنسجها الطغمة حوله. فالأموال المسروقة قد لا تُسترد، لا لأنها اختفت فحسب، بل لأن وراءها مصالح ونفوذاً وقوى متنفذة، تعمل على حمايتها وإدامة آثارها. وحين تتحول السرقة إلى مصدر للثروة، وتتحول الثروة الى نفوذ، والنفوذ الى حماية سياسية وإدارية وإعلامية للطغمة، يصبح الفساد جزءاً من بنية النظام نفسه، لا مجرد انحراف عابر فيه.

عندها لا يُنهب المال العام فقط، بل تُنهب معه فرص التنمية، وحقوق الناس، وثقة المجتمع بالدولة. فالدولة لا تضعف بسبب ما يُسرق من خزائنها وحسب، بل بسبب ما تبنيه الطغمة حول الفساد من حصون تمنع المحاسبة، وتعرقل العدالة، وتعيد إنتاج المنظومة ذاتها مرة بعد أخرى.