اللحظة الحاسمة اقتربت.. العالم أمام قرار مصيري بشأن الذكاء الاصطناعي

بغداد- العراق اليوم:

نشر موقع "بوليتيكو" تحليلاً معمقاً حول السباق التكنولوجي المحموم لزراعة الشرائح الحاسوبية في الأدمغة البشرية، وتوقع خبراء التقنية في وادي السيليكون اقتراب اللحظة التي سيضطر فيها الإنسان إلى اتخاذ قرار مصيري بدمج عقله بالآلة. 

ويرى هؤلاء أن المزايا التنافسية للاندماج ستجعل مقاومته مستحيلة، تماماً كما حدث مع الهواتف الذكية التي بدأت كرفاهية وانتهت كضرورة بيولوجية واجتماعية.

وأعلن رائد الأعمال "دي سكوت فينيكس" خلال مؤتمر "تيد 2026"، أن البشرية تقف على أعتاب التحول الكبير نحو الاندماج الكامل مع الذكاء الاصطناعي.

وأوضح فينيكس أن الزملاء في العمل سيبدؤون بتبني هذه التقنية أولاً، مما سيخلق ضغطاً تنافسياً يدفع البقية للرضوخ. وتتجاوز هذه الرؤية حدود الخيال العلمي، لتصبح عقيدة راسخة لدى قادة التكنولوجيا الذين يرون في "الاندماج" السبيل الوحيد لنجاة النوع البشري.

كما يؤيد سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة "أوبن إيه آي"، هذا التوجه منذ سنوات، معتبراً أن الاندماج يمثل السيناريو الأفضل لمواجهة الذكاء الاصطناعي الخارق. 

وينضم إليه الملياردير بيتر ثيل كواحد من أبرز المدافعين عن تيار "ما بعد الإنسانية" الذي يسعى لتجاوز المحدودية البيولوجية. ورغم أن التكنولوجيا لا تزال في أطوارها الجنينية، إلا أن الاستثمارات الضخمة بدأت تتدفق بالفعل نحو هذا القطاع الواعد.

وتشير تقديرات "فيوتشر ماركت إنسايتس" إلى أن سوق الواجهات الدماغية الحاسوبية سيقفز إلى 1.2 مليار دولار بحلول عام 2035. 

وتتجاوز هذه الأرقام الشركات الناشئة المغمورة لتشمل استثمارات هائلة من عمالقة مثل إيلون ماسك ومارك زوكربيرغ. وتتوقع مؤسسة (Neurorights Foundation) أن يتوسع سوق التكنولوجيا العصبية الأوسع ليصل إلى 52 مليار دولار خلال العقد القادم.

وبناءً على هذه المعطيات المالية الضخمة، بدأت المعارك السياسية والتشريعية تسخن حول ملكية "الموجات الدماغية" ومدى خصوصيتها.

ويواجه هذا الاندفاع التقني تشكيكاً متزايداً من اليمين واليسار في الولايات المتحدة على حد سواء. وتتركز المخاوف حول تحويل الأفكار البشرية إلى سلع تجارية يمكن استخراجها ومعالجتها لمصلحة الشركات الكبرى التي لا تشبع من البيانات.

كما تستخدم الشركات حالياً الدوافع الطبية كغطاء أخلاقي لتطوير هذه الشرائح، حيث مكنت شركة "نيورالينك" أول مريض مشلول من التحكم في الكمبيوتر بعقله.

ورغم النجاحات الطبية المبكرة، إلا أن التجارب السريرية السابقة أثارت انتقادات واسعة بسبب نهاياتها الدموية مع الحيوانات. ويخشى مراقبون أن تكون هذه الأهداف الإنسانية مجرد "حصان طروادة" لإدخال التقنية إلى الأجساد البشرية السليمة لاحقاً.

وإلى جانب الشرائح المزروعة، تنتشر حالياً تقنيات عصبية أقل توغلاً مثل النظارات الذكية وأدوات تتبع الإجهاد التي تجمع كميات هائلة من البيانات. وتمثل هذه البيانات "الخام" الجديد للقرن الحادي والعشرين، حيث تتيح للشركات استهداف المستهلكين بإعلانات لا تقاوم. ويحذر خبراء من أن امتلاك البيانات العصبية يمنح القدرة على مراقبة السلوك البشري بل والتلاعب به بشكل مباشر.

وفي سياق متصل، بدأت شركات مثل "كيرنل" (Kernel) في تسويق تقنيات لجمع البيانات الدماغية وتدريب نماذج لغوية كبرى عليها. ويسعى رئيسها التنفيذي، ريان فيلد، لجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات لبناء أجهزة تقيس الصحة الإدراكية بدقة. ورغم تأكيده الحصول على موافقة المستخدمين، إلا أن الحدود الأخلاقية تظل ضبابية في ظل غياب تشريعات فيدرالية صارمة.

وبدأت ولايات أمريكية مثل كولورادو وكاليفورنيا في تعديل قوانين الخصوصية لتشمل المعلومات الناتجة عن الجهاز العصبي للمستهلك. 

وعلى المستوى الفيدرالي، قدم نواب في مجلس الشيوخ الأمريكي "قانون العقل" (MIND Act) لدراسة كيفية كشف البيانات العصبية للعواطف وأنماط القرار. 

وفي المقابل، يرى البعض أن القلق بشأن "قراءة الأفكار" حالياً قد يكون مبالغاً فيه؛ نظراً لمحدودية التقنية الراهنة. وتؤكد آنا ويكسلر، من جامعة بنسلفانيا، أن البيانات العصبية الحالية لا تكشف الأفكار الخاصة بقدر ما تكشفه وسائل أخرى. 

ويرى دعاة تسريع الذكاء الاصطناعي أن الوقت يعمل لصالحهم، مدعومين بحلفاء في البيت الأبيض وميزانيات لا نهائية.  

ومع ذلك، يظل الرفض الشعبي حقيقياً، حيث تُظهر الاستطلاعات رغبة واسعة في تنظيم حكومي صارم للذكاء الاصطناعي. وسواء كانت هذه الرؤى حقيقة أم أوهاماً لجني المال، فإن مستقبل البشرية يَجب ألّا تقرره الشركات وحدها.