ما المطلوب من السوداني بعد سلب رئاسة الوزراء .. وما المطلوب من ائتلاف الاعمار والتنمية ؟

رأي العراق اليوم:

لم تكن خسارة ائتلاف الإعمار والتنمية لمنصب رئاسة الوزراء حدثاً سياسياً عابراً يمكن تجاوزه بسهولة، بل شكلت لحظة مفصلية تضع هذا الكيان أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرته على التحول من مشروع سلطة إلى مشروع دولة. فحين يُسلب استحقاق يُنظر إليه بوصفه دستورياً وانتخابياً، لا يكون الرد الفعلي في الانكفاء أو التذمر، بل في إعادة تعريف الدور، وترسيخ الحضور ضمن معادلة سياسية أكثر عمقاً واستدامة.

أول ما يحتاجه الائتلاف في هذه المرحلة هو التماسك الداخلي. فالتجارب السياسية السابقة في العراق أثبتت أن الكثير من التحالفات الانتخابية سرعان ما تتفكك عند أول اختبار حقيقي، خصوصاً عندما تفقد السلطة أو تُبعد عنها ظلماً. 

غير أن ائتلاف الإعمار والتنمية، الذي ارتبط اسمه

برؤية تتجاوز مجرد الوصول إلى الحكم، مطالب اليوم بإثبات أنه مشروع متكامل يحمل عنواناً واضحاً: بناء الدولة وتحقيق التنمية. 

وهذا يتطلب الحفاظ على وحدة صفه، وتطوير هياكله، وتعزيز خطابه السياسي بما ينسجم مع طموحات جمهوره.

أما التحدي الثاني، فيكمن في إعادة التموضع السياسي، ولا سيما في علاقته مع الإطار التنسيقي. 

إذ تشير الوقائع إلى أن هذا الإطار، الذي كان يوماً  يدعي أنه مظلة جامعة، بات يعاني من تراجع في القبول الشعبي والسياسي، فضلاً عن عجزه عن تقديم مشروع متماسك. 

ومن هنا، فإن ائتلاف الإعمار والتنمية مطالب بالخروج التدريجي من هذا الإطار، أو على الأقل تقليل الارتباط به، وهذا الأمر يمثل برأينا خطوة فعلية واستراتيجية نحو بناء كيان سياسي مستقل قادر على استقطاب قوى جديدة. 

دون الرضوخ لإملاءات هذا الطرف في الإطار التنسيقي والإستجابة لرغبة الآخر..

فالسؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن الرهان مجدداً على ذات الرفقة الأطارية التي لم تجد نفعاً، وعلى ذات التحالفات التي لم تحافظ على أدنى ضوابط  الإستحقاقات الانتخابية اللازمة ..؟

وفي سياق التحول إلى مشروع وطني، يبرز التحدي الثالث، وهو الانفتاح على مختلف المكونات العراقية. 

وهذا الأمر تقع مسؤوليته على عاتق رئيس الإئتلاف محمد شياع شخصياً، لما يتمع به الرجل من قبول لدى جميع القوى الوطنية.

وإذا كان الائتلاف يمتلك قاعدة اجتماعية واضحة، فهذا لا يعفيه قطعاً من استحقاقات المرحلة المقبلة، التي تتطلب تجاوز هذا ( الإطار ) الضيق، نحو فضاء أوسع يشمل قوى سنية وكردية وتركمانية، إضافة إلى بقية المكونات الوطنية العراقية. 

فبناء الدولة لا يمكن أن يتم ضمن حدود الهوية الفرعية، بل يحتاج إلى ناظم وطني جامع يعكس تنوع العراق ويستثمره كعنصر قوة لا ضعف.

كما أن الاقتراب من القوى المدنية والديمقراطية يمثل ضرورة لا تقل أهمية. 

فهذه القوى، رغم محدودية تمثيلها السياسي   في بعض الأحيان، تحمل رؤى متقدمة تتعلق ببناء الدولة، وتعزيز وتفعيل  المؤسسات، وترسيخ مبادئ المواطنة. والتقاطع معها لا يعني فقط توسيع القاعدة السياسية، بل يمنح الائتلاف بعداً فكرياً وبرنامجياً أكثر عمقاً، ويعزز من قدرته على تقديم نموذج مختلف في إدارة الدولة.

ويبقى العامل الأهم هو الحفاظ على الحس الوطني وتطويره. 

فالتجارب السياسية في العراق والمنطقة تثبت أن الأحزاب التي تنغلق ضمن هويات ضيقة سرعان ما تتآكل وتفقد تأثيرها، بينما تستمر تلك التي تتبنى خطاباً وطنياً جامعاً. 

ويمكن الاستدلال هنا بتجارب قوى سياسية حافظت على حضورها لعقود طويلة بفضل تمسكها بالهوية الوطنية، كالحزب الشيوعي العراقي ، في مقابل قوى أخرى تراجعت أو اختفت نتيجة انغلاقها الأيديولوجي القومي، أو الطائفي.

إن ائتلاف الإعمار والتنمية يقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يبقى أسير معادلة السلطة التقليدية، بما تحمله من تقلبات وتحالفات هشة، أو أن يتحول إلى مشروع وطني حقيقي يتبنى رؤية ليبرالية تقدمية تؤمن بالدولة المدنية، وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. 

وفي هذا التحول يكمن التحدي الأكبر، لكنه أيضاً يحمل الفرصة الأهم لصياغة مستقبل سياسي مختلف في العراق.