الفريق الدكتور سعد معن يكتب عن هندسة الفتنة والفضاء الرقمي

بغداد- العراق اليوم:

يسلط الفريق الدكتور سعد معن الموسوي الضوء عبر هذه المقالة على التحولات الخطيرة التي يشهدها الفضاء الرقمي، وكيف بات ساحة مفتوحة لحروب ناعمة تُدار بأساليب معقدة تستهدف الوعي المجتمعي وتغذي الانقسامات بين الشعوب.

(العراق اليوم) ينشر نص المقالة:

هندسة الفتنة كيف يتحول الفضاء الرقمي إلى ميدان لحروب الفتنة

في زمنٍ أصبحت فيه المعلومة تعبر القارات قبل أن يتسنى لنا التحقق من صدقيتها، لم تعد التهديدات الأمنية محصورة في النطاقات الجغرافية التقليدية، بل امتدت لتستوطن الفضاء الرقمي، حيث تُصنع الأزمات بضغطة زر، وتُدار حملات التأثير بهندسة اجتماعية بالغة التعقيد. إن ما نشهده اليوم من توترات رقمية بين شعوب المنطقة لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع؛ يتداخل فيه سوء الفهم العفوي مع التجييش المتعمد المنظم الذي يسعى لضرب أركان الثقة بين المجتمعات الشقيقة.

ومن منظور أمني نضج عبر ثلاثة عقود من الخبرة الميدانية والاستراتيجية، أؤكد أن أخطر ما في هذه الظواهر ليس "الرأي المختلف"، بل ذلك التراكم الممنهج للانطباعات السلبية التي تتحول بمرور الوقت إلى قناعات صلبة، ثم إلى مواقف عدائية تهدد الاستقرار المجتمعي في مكمنه. وهنا يكمن التحدي الأكبر، حين يتحول المستخدم العادي – دون إدراك منه – إلى ترس في آلة تأتيه من الخارج، ليصبح جزءاً من معادلة التأثير السلبي.

لقد باتت القوى الناعمة اليوم هي "الظهير الاستراتيجي" للعمل الأمني؛ فالمحتوى الإيجابي والخطاب المتزن يمثلان خطوط دفاع غير تقليدية، تسهم في تفكيك لغم التوتر قبل انفجاره. وفي المقابل، فإن الصمت تجاه الشائعات أو ترك الساحة للأصوات المتطرفة، يمنح قوى التأزيم فرصة ذهبية لتضخيم الأحداث وإعادة إنتاجها بما يخدم أجندات تخريبية لا تريد للمنطقة استقراراً. إن مقتضيات المرحلة الراهنة تفرض علينا تجاوز مرحلة "ضبط الخطاب" إلى بناء "وعي رقمي أمني" شامل لدى الجمهور، يقوم على مهارة التثبت قبل التفاعل، والقدرة على التمييز بين النقد البنّاء والتحريض الهدّام.

كما أن المسؤولية تقع على عاتق المؤسسات الرسمية في تبني "دبلوماسية رقمية هادئة"، تطرح الحقائق بتجرد وموضوعية، وتؤكد على ثوابت الاحترام المتبادل، بعيداً عن الانفعالات اللحظية التي قد تُفسر في غير سياقها لذلك يجب أن ندرك جميعاً أن الأمن لم يعد مسؤولية الأجهزة المختصة وحدها، بل هو "عقد اجتماعي" يبدأ من وعي الفرد؛ فبين تغريدة قد تشعل أزمة وأخرى قد تطفئها، يتقرر شكل مستقبلنا. والسؤال الذي يواجهنا الآن بمسؤولية وطنية: هل نستخدم هذا الفضاء لخلق خصومات افتراضية، أم لبناء واقع أكثر أمناً واستقراراً؟

الفريق الدكتور

سعد معن الموسوي

17 نيسان 2026