من الانتشار البحري إلى سيناريوهات الهجوم البر ي قراءة في حدود القوة الأمريكية تجاه إيران

بغداد- العراق اليوم:

بقلم الفريق الركن احمد الساعدي 

في ظل ما نشرته واشنطن بوست بشأن استعداد وزارة الدفاع الأمريكية لأسابيع من العمليات البرية داخل إيران يتزامن ذلك مع إعلان القيادة المركزية الأمريكية عن وصول قوات من مشاة البحرية الأمريكية على متن USS Tripoli إلى منطقة المسؤولية وهو تزامن يعكس إعادة تشكيل مدروسة للمشهد العملياتي في الشرق الأوسط ضمن سياق تصاعد التوترات

هذا الانتشار البحري يمثل أداة جاهزة لتعزيز الجاهزية القتالية السريعة حيث توفر تريبولي قدرة تنفيذ عمليات إنزال بحري وجوي عبر المروحيات والمقاتلات من طراز F 35B ما يمنح واشنطن مرونة تدخل عالية دون الحاجة إلى تثبيت قوات برية على الأرض وهو ما ينسجم مع عقيدة الانتشار المرن والسريع  وإدارة الصراع من خارج مسرح الاشتباك المباشر

ضمن نطاق القيادة المركزية الأمريكية الذي يشمل الخليج والبحر الأحمر وممرات استراتيجية حساسة يصبح هذا الانفتاح العسكري  جزءاً من معادلة ردع تهدف إلى تأمين الملاحة وفرض توازن عملياتي يمنع أي فراغ يمكن أن تستغله الأطراف المتصارعة كما يتيح في الوقت ذاته خيارات تدخل سريع أو تنفيذ عمليات محدودة عند الضرورة

غير أن الانتقال من هذا التحشيد البحري إلى تنفيذ عمليات برية داخل إيران يمثل تحولا بالغ الخطورة فالتقديرات داخل البنتاغون تدرك أن البيئة الإيرانية لا تسمح بحسم سريع نتيجة تعقيدات الجغرافيا واتساع المساحة والبنية العسكرية غير التقليدية التي يقودها الحرس الثوري الإيراني والقادرة على امتصاص الضربات وتحويل أي توغل إلى حرب استنزاف طويلة. 

وفق التقديرات العسكرية فإن نجاح أي عملية برية واسعة داخل إيران يظل محل شك كبير إذ قد تلجأ الإدارة الأمريكية إلى عمليات خاطفة محدودة لتحقيق نصر معنوي وإعلامي سريع دون الانخراط في احتلال طويل إلا أن هذا الطرح يصطدم بعامل حاسم يتمثل بطبيعة المجتمع الإيراني الذي أظهر عبر التاريخ مستوى عالياً من العناد والإصرار في مواجهة التدخلات الخارجية ما يعني أن أي عملية محدودة قد تتحول تدريجياً إلى صراع مفتوح وعالي الكلفه .

التجربة التاريخية الأمريكية في حرب فيتنام تقدم نموذجاً واضحاً لكيفية تحول العمليات العسكرية إلى مستنقع استنزاف حين تتداخل الجغرافيا مع الإرادة القتالية المحلية وهو سيناريو لا يمكن استبعاده في الحالة الإيرانية بل قد يكون أكثر تعقيداً نظراً لتشابك البيئة الإقليمية وتعدد الفاعلين وهنالك الكثير من الجيوش الساندة من الدول القريبه

مثل فيلق الفاطميون  والزنبيون  وكذلك العشائر العراقية الداعمة للجمهورية الإيرانية وجميعهم يقاتلون بعقيدة دينيه وليس سياسيه كما يفهم الآخرون 

 فإن أي تدخل بري لن يبقى محصوراً داخل الحدود الإيرانية بل سيفتح مسرح عمليات واسع يمتد إلى العراق والخليج وبلاد الشام والبحر الأحمر ما يرفع احتمالية الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة يصعب التحكم بمساراتها أو نتائجها.

في هذا السياق يظهر أن واشنطن تستخدم مزيجاً من الانتشار البحري المتقدم والتلويح بالعمليات البرية كأدوات ضغط وردع دون أن يكون الهدف المباشر هو الانخراط في حرب شاملة إذ تبقى الخيارات المحدودة والسريعة هي الأكثر واقعية ضمن حسابات الكلفة  والتأثير العسكري .وفي ميزان القوة البشريه للقوات البرية من صالح إيران ولهذا نرى الهجوم البري ماهو لا هجوم ميت منذ الولادة .

 مع ذلك اننا نشير  إلى جبهة اخرى لا وهي اليمنيه وسبق وان ذكرتها هي الأحرج ومرشحة للهجوم البري بسبب أهمية المندب للتجارة العالميه .  

إن أي عملية برية داخل إيران لن تكون مضمونة النتائج وقد تبدأ كعملية خاطفة لتحقيق مكاسب معنوية لكنها تحمل في طياتها خطر التحول إلى حرب استنزاف طويلة ومستنقع استراتيجي مفتوح على جميع الاحتمالات وهو ما يجعل هذا الخيار من أخطر المسارات التي قد تعيد تشكيل المنطقة بأكملها دون القدرة على التنبؤ بنهاياتها .