سنصفق للسوداني.. ولكن..!

بغداد- العراق اليوم:

رأي جريدة الحقيقة

في السياسة، كثيرا ما يستعاد المثل القائل: مكره اخاك لا بطل، ليبرر التراجعات والانسحابات والقبول بالامر الواقع.

 غير ان ما فعله محمد شياع السوداني اليوم، بهذا القرار التاريخي غير المسبوق، يقلب هذا المعنى رأساً على عقب.

 فنحن امام موقف لا يمكن توصيفه بالاكراه التقليدي، بل باكراه واع، مقبول، نابع من إرادة عليا ومسؤولية وطنية عالية، إكراه فيه شجاعة البطل لا ضعف المكره.

فقد خرج السوداني من  المنافسة الثنائية مع المالكي بارادته وقراره، بعد أن أدرك حجم المخاطر العديدة التي تهدد العملية السياسية: خوف من انهيار التوازنات، خشية من الدخول في فراغ سياسي طويل، قلق من تفتت البيت الشيعي وانقسام قواه، وتحسب من تدمير بنية سياسية مستقرة عمل شخصياً لسنوات على تثبيتها وترميمها. 

فهذا الهاجس لم يكن شخصياً او فئوياً، بل وطنياً بامتياز.

لذلك اختار السوداني ان يقدم استقرار الدولة على طموحه السياسي، وان يغلب منطق الدولة على منطق المكاسب الفئوية.

نعم، هو تراجع، لكنه تراجع الاقوياء، لا انسحاب الضعفاء كما يقولون في القوانين العسكرية والسياسية معاً. 

فالرجل تنازل بقوة، لا تنازل المضطر.. ولم يخف قطعاً من ردود الفعل، ولم يعبأ باللوم، ولم يتاثر بحملات التشكيك التي طالما حاولت تصويره كطالب سلطة او اسير منصب. 

لقد سجل السوداني موقفا يحسب له، ويحسب للعملية السياسية الديمقراطية برمتها: رجل حاز المقاعد والاصوات والوزن السياسي، ثم اختار ان يعود خطوة الى الخلف، مقدماً نوري المالكي لرئاسة الحكومة، حكومة قد تولد وقد لا تولد، وقد تنجح وقد تتعثر.

إن هذا الايثار السياسي النادر، الذي صنعه محمد شياع السوداني، لا ينبغي ان يمر مرور الكرام. هو موقف يستحق الامتنان والعرفان والتقدير، ليس من الشارع السياسي فحسب، بل من نوري المالكي شخصيا. 

فالرجل اوفى بالتزامه، ووضع العجلة على السكة بدل ان يضع العصي في الدواليب، وفضل ان يكون جزءاً من الحل لا جزءاً من الازمة. 

اننا امام شخصية سياسية يمكن وصفها بحق بأنها شخصية البطل المحترم.

ان يتنازل صاحب اكثر من خمسين مقعداً نيابياً لصالح تحالف لم يحصل على ربع هذا الرقم تقريبا، فذلك ليس أمراً عابراً في معادلات السلطة العراقية. لكنه فعل نابع من قراءة دقيقة للمشهد: انسداد سياسي يلوح في الافق، خطر تمزق داخل الاطار، واحتمالات انقسام قد تعصف بما تبقى من تماسك سياسي. السوداني اختار ان يمنع الانفجار، ولو على حساب موقعه الشخصي.

ومن هنا، فان المسؤولية الاخلاقية والسياسية تنتقل اليوم الى نوري المالكي. فإذا عجز أبو اسراء عن تشكيل الحكومة او تلكا في تمريرها لأسباب معينة، فان المنطق السياسي والانصاف يفرضان عليه ان يدفع مباشرة وبصوت عال باتجاه اعادة ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء. 

فهذا الايثار لا يجوز ان يقابل بالنسيان او التجاهل، بل يجب أن برد الجميل بوضوح وشجاعة.

واذا نجح المالكي في تمرير حكومته، فان الواجب السياسي والاخلاقي يقتضي ان ينصف السوداني وائتلافه بالوزارات التي يستحقونها، وبحضور يوازي ثقلهم الحقيقي. 

فالسوداني ليس مجرد رقم في معادلة، بل صانع سياسة، وصانع استقرار، وأحد صناع التهدئة في عراق ما بعد 2003. 

وأظن أن فضله على العملية السياسية لا يمكن انكاره من اي منصف .

نحن نصفق للسوداني اليوم، لكن تصفيقنا لن يكتمل ما لم يترجم هذا الموقف الى ثقافة سياسية جديدة: ثقافة الوفاء، ورد الجميل، وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة. فالكرة الان في ملعب المالكي، ليبرهن ان السياسة ليست فقط صراع مواقع، بل اخلاق مواقف وقيم وفاء .

والتحالف مع السوداني وإئتلافه هو برأينا أول حقوق هذا الوفاء .. 

ولعل اصدق ما يختتم به هذا المشهد، قول الله تعالى: "وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا".

فهل سيرد المالكي ومعه قادة الإطار تحية السوداني بأحسن منها؟ الأيام وحدها ستجيب على سؤال ( الحقيقة).