رأي العراق اليوم لم تكن السنوات التي تولى فيها محمد شياع السوداني رئاسة الحكومة العراقية سنوات عادية، بل جاءت محملة بتحديات سياسية واقتصادية وأمنية، في منطقة تتبدل فيها موازين القوى وتتداخل فيها الصراعات الإقليمية والدولية مع تعقيدات المشهد الداخلي. وفي خضم هذه الظروف، برزت سياسة الاحتواء والحوار وإدارة التوازنات بوصفها إحدى الأدوات التي اعتمدتها حكومته في التعامل مع الأزمات.
لم يكن التحدي مقتصراً على إدارة مؤسسات الدولة وتسيير شؤون المواطنين، بل امتد إلى احتواء الخلافات بين القوى السياسية، ومنع تحول التباينات إلى أزمات مفتوحة، والحفاظ على استقرار العراق في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.
الاحتواء بدلاً من التصعيد
في بلد تتعدد فيه مراكز النفوذ وتتباين فيه المصالح السياسية، لا تُقاس إدارة الأزمات بالقرارات وحدها، بل بالقدرة على فتح قنوات الحوار، وتدوير الزوايا الحادة، وإيجاد مساحات مشتركة بين أطراف قد تبدو مواقفها متباعدة.
ومن هذا المنطلق، اتجه السوداني إلى اعتماد الحوار والتواصل مع القوى السياسية المختلفة، مستنداً إلى طبيعة النظام السياسي العراقي القائم على التوافقات والشراكات. وهي مقاربة تفرض على رئيس الحكومة التعامل مع خلافات متشابكة، لا يمكن حسمها جميعاً بقرار إداري أو موقف سياسي منفرد.
ولم يكن الاحتواء يعني بالضرورة إنهاء الخلافات من جذورها، بقدر ما كان يستهدف إبقاءها ضمن حدود يمكن إدارتها، والحيلولة دون انتقالها إلى مؤسسات الدولة أو انعكاسها بصورة مباشرة على حياة المواطنين.
تفكيك الأزمات قبل اتساعها
تتطلب إدارة الأزمات في العراق قراءة دقيقة لموازين القوى، وفهماً للعلاقات بين الأطراف السياسية، وقدرة على التمييز بين الخلاف الذي يمكن تسويته بالحوار، والأزمة التي تحتاج إلى قرارات حكومية وإجراءات مؤسسية.
وفي هذا السياق، شكّل العمل على تخفيف التوترات السياسية، والحفاظ على قنوات الاتصال، والسعي إلى تقريب وجهات النظر، جزءاً من نهج إدارة الدولة خلال حكومة السوداني. فالتصعيد قد يمنح بعض الأطراف مكاسب آنية، لكنه قد يفتح في المقابل أبواباً يصعب إغلاقها، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه الحسابات الداخلية مع التأثيرات الخارجية.
غير أن نجاح هذه المقاربة لا يُقاس بمجرد احتواء التوتر مؤقتاً، بل بقدرتها على إنتاج حلول مستدامة، وتعزيز سلطة المؤسسات، ومنع تكرار الأزمات بأشكال جديدة.
العراق وسط العواصف الإقليمية
لم تكن التحديات الداخلية منفصلة عن المحيط الإقليمي؛ فالعراق يقع في منطقة تتداخل فيها ملفات الأمن والطاقة والنفوذ والعلاقات الدولية. وأمام هذا الواقع، واجهت الحكومة مهمة الحفاظ على علاقات متوازنة، وتجنب تحويل الأراضي العراقية إلى ساحة لتصفية الحسابات، مع حماية المصالح الوطنية في علاقاتها مع الدول المختلفة.
وقد فرضت هذه المعادلة على السوداني التحرك ضمن مساحة دقيقة، تتطلب الموازنة بين المصالح العراقية وشبكة العلاقات الإقليمية، مع مراعاة حساسية الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية.
إن سياسة التوازن لا تعني غياب المواقف، كما أن تجنب التصعيد لا يعني التخلي عن المصالح. لكن فاعلية هذا النهج تبقى مرتبطة بمدى قدرته على ترجمة العلاقات الدبلوماسية إلى مكاسب ملموسة، وحماية القرار العراقي، وتقليل انعكاسات الصراعات الخارجية على الداخل.
بين الاستقرار والإنجاز
إن أحد أبرز الاختبارات التي تواجه أي حكومة عراقية يتمثل في تحويل الاستقرار السياسي إلى فرصة لتحسين الخدمات، وتحريك الاقتصاد، وتعزيز الاستثمار، وتطوير البنية التحتية. فالاحتواء، مهما بلغت أهميته، لا يمثل غاية مستقلة، بل ينبغي أن يكون وسيلة لتهيئة بيئة تسمح للدولة بالعمل والإنجاز.
ومن هنا، فإن تقييم تجربة السوداني في إدارة الأزمات يحتاج إلى النظر في مسارين متكاملين: الأول يتعلق بقدرته على إدارة التوازنات واحتواء الخلافات، والثاني يتعلق بما أنتجته هذه السياسة من نتائج فعلية في أداء المؤسسات وحياة المواطنين.
فقد تنجح الحكومات في تجاوز أزمة سياسية، لكنها تبقى مطالبة بمعالجة أسبابها؛ وقد تتمكن من خفض التوتر، إلا أن الاختبار الأهم يتمثل في تثبيت الاستقرار وتحويله إلى مؤسسات أقوى وقرارات أكثر فاعلية.
تقدم تجربة السوداني في رئاسة الحكومة نموذجاً يستحق القراءة من زاوية إدارة التوازنات في نظام سياسي معقد، حيث لا تنفصل القرارات الحكومية عن التفاهمات السياسية، ولا يمكن فصل الاستقرار الداخلي عن التطورات الإقليمية.
*
اضافة التعليق
الزيدي يوجّه بإقالة 4 ضباط وإحالتهم إلى التحقيق على خلفية الإساءة للعلم الأميركي
المالكي يشدد على تحقيق التوازن التنموي بين المحافظات
المالية النيابية تكشف عن عجز بقيمة 360 مليارا بالرواتب التقاعدية
المرسومي: الدعم السياسي لحكومة السوداني كان شكليا.. واحتياطي البنك المركزي ارتفع بشكل كبير
هل تولى محمد الحلبوسي رئاسة جهاز المخابرات؟ خلية الاعلام الامني توضح ..
العراق يتحرك لإنضاج مقترح «6+2» لتعزيز الأمن الإقليمي