رأي العراق اليوم لم تعد مواجهة الفساد قضية قانونية وإجرائية محصورة في المؤسسات الرقابية والقضائية، بل أصبحت معركة مجتمعية تتطلب بناء وعي عام يرفض الفساد ويضع مرتكبيه أمام موقف اجتماعي واضح. ومن هنا يمكن النظر إلى جهود هيئة النزاهة في تعزيز الوعي بمخاطر الفساد بوصفها خطوة مهمة تتجاوز حدود ضبط المخالفات وإحالة المتهمين إلى القضاء.
فالنجاح الحقيقي في مكافحة الفساد لا يقاس فقط بعدد القضايا التي يتم كشفها أو الأموال التي تتم استعادتها، رغم أهمية ذلك، وإنما يقاس أيضاً بمدى قدرة المجتمع على تكوين موقف رافض لهذه الجريمة، وعدم التعامل معها باعتبارها سلوكاً عادياً أو وسيلة مقبولة لتحقيق المنافع الشخصية.
إن توصيف الفساد وتصنيفه اجتماعياً باعتباره جريمة خطرة تمس مصالح جميع المواطنين يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في تحقيق ما يمكن تسميته بـ"الردع الاجتماعي". فحين يدرك الموظف أو المسؤول أو المتعامل مع المال العام أن المجتمع ينظر إلى الفساد باعتباره سلوكاً مشيناً ومدمراً، فإن ذلك يضيف عاملاً آخر إلى جانب القانون والعقوبة، يتمثل في الخوف من فقدان الثقة والسمعة والمكانة الاجتماعية.
وهنا تبرز أهمية الدور التوعوي لهيئة النزاهة، فالمؤسسة الرقابية لا تلاحق الجريمة بعد وقوعها فحسب، بل تستطيع أيضاً الإسهام في منعها من خلال تغيير البيئة الاجتماعية التي قد تسمح بتطبيع الفساد أو تبريره.
ولعل من أخطر ما يواجه جهود مكافحة الفساد هو بعض المفاهيم التي تحاول التقليل من خطورته، كاعتبار الرشوة "إكرامية"، أو استغلال المنصب "شطارة"، أو الاستيلاء على المال العام مجرد مخالفة يمكن تجاوزها بالوساطات. مواجهة هذه المفاهيم لا تقل أهمية عن الإجراءات القانونية، لأنها تستهدف الجذور الاجتماعية والثقافية التي تساعد على انتشار الفساد.
إن خلق رأي عام مضاد للفساد يمثل نجاحاً حقيقياً؛ لأن القانون وحده لا يستطيع القضاء على الظاهرة ما لم يسانده مجتمع يرفضها ويبلغ عنها ولا يتسامح مع مرتكبيها.
وبناء هذا الوعي يحتاج إلى استمرار الحملات التوعوية، وإبراز الآثار المباشرة للفساد على الخدمات وفرص العمل والاقتصاد ومستقبل الأجيال، مع التأكيد على أن المال العام ليس ملكاً للحكومة أو المسؤول، وإنما هو حق للمجتمع بأسره.
وفي المحصلة، فإن تحويل مكافحة الفساد من ملف رقابي إلى قضية رأي عام هو أحد المسارات الأكثر تأثيراً على المدى البعيد. فكلما أصبح الفساد مرفوضاً قانونياً وأخلاقياً واجتماعياً، تضيق المساحة التي يمكن أن تتحرك فيها هذه الجريمة، ويصبح المجتمع نفسه شريكاً في عملية الردع والوقاية، إلى جانب مؤسسات الدولة المختصة.
*
اضافة التعليق
كتلة السوداني تطرح تعويض مزارعي الشلب وتطالب بوقف إزالة الدور الزراعية
البرلمان يفتح ملف الأدوية ويمنح لجنة مؤقتة 15 يوماً لكشف آليات التداول والبيع
النزاهة تعلن حصيلة آب.. 27 أمر قبض واستقدام بحق ذوي الدرجات الخاصة
بعد مساومته مواطناً .. النزاهــة توقـع بمســؤول في بلديــة بيجي متلبـساً بتسـلم الرشـــوة
محمد شياع السوداني.. الدولة أولاً ومشروع لبناء عراق يحترم المواطن
الحكومة توقف هدم التجاوزات وتعلن قرب صرف مستحقات الفلاحين والمقاولين