رأي العراق اليوم
لم يعد الفساد في مؤسسات الدولة العراقية مجرد ملفات تُحفظ في الأدراج أو أرقام تُذكر في التقارير السنوية، بل أصبح معركة مفتوحة تتطلب حضوراً رقابياً مستمراً، وإجراءات قانونية قادرة على الوصول إلى مكامن الخلل مهما كانت مواقع المسؤولين عنها.
وفي هذا المشهد، تتحرك هيئة النزاهة الاتحادية في مساحة شديدة التعقيد، وهي تلاحق ما يمكن تسميته بـ«أشباح الفساد» داخل الوزارات والدوائر والمؤسسات الحكومية، حيث تتداخل المصالح، وتتخفى التجاوزات خلف التعقيدات الإدارية والعقود والمشاريع والملفات المالية.
المعركة الحقيقية لا تتمثل فقط في ضبط موظف أو إحالة مسؤول إلى القضاء، وإنما في تفكيك منظومة الفساد من جذورها، وكشف الطرق التي تُستغل من خلالها مؤسسات الدولة لتحقيق مكاسب شخصية على حساب المال العام.
فالفساد لا يعيش دائماً في العلن؛ أحياناً يرتدي ثوب القانون، ويتحرك عبر معاملات تبدو نظامية، أو عقود صيغت بعناية، أو مشاريع تتضخم كلفها، أو أراضٍ وأملاك عامة يجري الاستيلاء عليها بطرق ملتوية. ولهذا فإن مهمة الأجهزة الرقابية تصبح أكثر صعوبة كلما تطورت أساليب التحايل.
ومن هنا تبرز أهمية العمل الاستباقي، القائم على تحليل المعلومات ومراجعة العقود والإنفاق الحكومي ومتابعة تضخم الأموال والممتلكات غير المبررة، إلى جانب التعاون مع القضاء والأجهزة المختصة.
إن نجاح حرب النزاهة لا يُقاس بعدد القضايا المعلنة فقط، بل بقدرتها على منع تكرار المخالفات، واسترداد الأموال، ومحاسبة المتورطين، وإغلاق المنافذ التي تسمح بعودة الفساد من جديد.
والرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى جميع مؤسسات الدولة هي أن المنصب العام ليس حصانة، وأن مرور الوقت لا يعني سقوط الملفات، وأن المال العام ليس ملكاً لأحد.
لقد تحولت مواجهة الفساد إلى اختبار حقيقي لهيبة الدولة وقدرتها على حماية مواردها. وكلما اتسعت دائرة الرقابة، وازدادت سرعة الإجراءات القانونية، وتحققت المحاسبة بعيداً عن الانتقائية، تراجعت قدرة «أشباح الفساد» على الاختباء.
إنها حرب طويلة، لكنها ضرورية؛ لأن الدولة التي تحمي المال العام وتحاسب الفاسدين هي دولة تعزز ثقة المواطن بمؤسساتها، وتفتح الطريق أمام التنمية، وتؤسس لإدارة عامة أكثر كفاءة ونزاهة.
وفي النهاية، فإن مطاردة أشباح الفساد لا تنتهي بإلقاء القبض على المتورطين، بل تبدأ من بناء مؤسسات تجعل الفساد أكثر صعوبة، وأقل ربحاً، وأكثر كلفة على من يحاول ممارسته.
*
اضافة التعليق
محمد شياع السوداني.. العلاقات الدولية مفتاح التنمية وإبعاد العراق عن النار
مظهر صالح: عجز موازنة العراق يقفز إلى 80 تريليون دينار والحكومة تعيد جدولة 1800 مشروع
الخزعلي: الأزمة المالية وتأمين الرواتب حقيقية وإجراءات الحكومة لم تكن بمستوى حجمها
العراق: أي تهديد ينطلق من أراضينا تجاه دول الجوار سيواجه بإجراءات قانونية حازمة
السوداني.. الرجل الهادئ وكاريزما القيادة المتوازنة
قاسم عطا.. لماذا يستحق قيادة وزارة الداخلية؟