السوداني بين جيلين: الوسطية كنظام إدارة ومدرسة حكم عراقية

بغداد- العراق اليوم:

بقلم : ضِفاف الفراتين  / باحث وأكاديمي

 

إن تعاقب الأنماط القيادية في العراق بعد عام 2003 لا يعكس مجرد تبدل في الوجوه، بل يؤشر إلى تحولات عميقة في بنية الشرعية وآليات إدارة الدولة. وفي هذا المسار، تبرز تجربة الجيل الوسيط التي جسدها السوداني كمحطة مفصلية بين مرحلتين متباينتين من تاريخ الحكم.

 

الجيل الذي تصدى لمهمة الحكم في العقدين الأولين بعد التغيير تشكل وعيه في سياق تاريخي استثنائي، حيث كانت المهمة المركزية هي تثبيت أركان الدولة الجديدة وإدارة مرحلة انتقالية بالغة التعقيد. استمدت شرعية هذا الجيل من طبيعة اللحظة التأسيسية، وانعكس ذلك على أولوياته التي تركزت على ضمان الاستقرار السياسي وإدارة التوازنات الداخلية الدقيقة.

 

في المقابل، برز لاحقاً جيل سياسي جديد تشكل وعيه بالكامل داخل فضاء الدولة ما بعد 2003. هذا الجيل يحمل خطاب القطيعة مع الماضي ويستمد زخمه من تطلعات المستقبل، ويتميز بديناميكية عالية وقدرة على مخاطبة الرأي العام بأدوات جديدة. غير أن التحدي الأساسي الذي يواجهه يكمن في تحويل طاقة الرفض إلى قدرة على البناء المؤسسي، والانتقال من شرعية الاحتجاج إلى شرعية الإنجاز.

 

بين هذين النموذجين، مثّل السوداني حالة "الجيل الوسيط" ببعديه العمري والفكري. لم يكن امتداداً مباشراً للجيل الذي سبقه، ولم يكن استباقاً للجيل الذي تلاه. هذا الموقع مكّنه من أداء دور تاريخي تجاوز إدارة الأزمة اليومية إلى وضع أسس لنمط حكم جديد.

 

إن القيمة المركزية لهذه التجربة لا تكمن في كونها أسست لـ"فكر" شخصي، بل في كونها أرست "نظام إدارة" متكاملاً ومدرسة في الحكم. لقد جاءت سياسة هذا النموذج لتفكك الاحتقان الداخلي، وتحفظ التوازن الإقليمي في لحظة كان الاستقطاب يهدد بتفكيك الدولة. فعلى الصعيد الداخلي، تم استبدال خطاب التعبئة الهوياتية بخطاب "المواطنة المنتجة"، حيث تحول الإنجاز الخدمي إلى العمود الفقري للشرعية السياسية. وعلى الصعيد الخارجي، تم ترسيخ "عقيدة التوازن البنّاء" التي أخرجت العراق من معادلة ساحة الصراع إلى معادلة نقطة التوازن.

 

خاتمة: تأسيس مدرسة في الحكم  

إن المرحلة التي أسس لها السوداني ليست مجرد تجربة عابرة في تاريخ العراق السياسي، بل هي نظام حكم مكتمل الأركان سيُدرّس لاحقاً في كليات العلوم السياسية والإدارة العامة. سيُدرّس بوصفه نموذجاً عراقياً أصيلاً للانتقال الآمن من دولة المكونات إلى دولة المواطنة، مع حفظ الهوية للجميع بكل تجلياتها الدينية والقومية، ومن شرعية التاريخ إلى شرعية الأداء.

 

ولولا هذه المرحلة التأسيسية، لكان استقرار البلد على المحك. فقد قدمت هذه التجربة وصفة عملية لإدارة بلد متنوع ومعقد، يمتلك تحديات داخلية وإقليمية بنيوية، وتنوعاً قومياً ومذهبياً وفكرياً حاداً. إنها أثبتت أن استقرار هكذا بلد لا يتحقق بالغلبة أو الاصطفاف، بل بنظام يقوم على ثلاثة مرتكزات: بناء المواطنة، وإدارة التوازن، وشرعية الإنجاز.

 

وعليه، فإن هذا النظام سيصبح بصمة تحمل اسم السوداني في أدبيات أنظمة الحكم. وستقتدي به دول ذات ظروف مشابهة للعراق، لأنها ستجد فيه دليلاً عملياً للخروج من مأزق الاستقطاب نحو أفق الدولة المستقرة. إنها مدرسة حكم جديدة، وُلدت من رحم الأزمة العراقية، لكنها مرشحة لتكون حلاً إقليمياً.