بغداد- العراق اليوم:
يقول الحارث بن وعلة في أحد أبياته الشهيرة، وهو يرسم مأساة الصراع داخل الدائرة الأقرب إلى الإنسان:
قومي همُ قتلوا أُميمَ أخي فإذا رميتُ أصابَني سهمي
ثمة حكمة عميقة تختبئ خلف هذا البيت، حكمة لا تخص زمناً بعينه، بل تمتد لتصف طبيعة الصراع حين يأتي من داخل الدائرة الأقرب، من “الإخوة” لا من الخصوم البعيدين.
فالمواجهة مع العدو الخارجي مفهومة، أما حين يتحول القريب إلى خصم، فالمشهد يصبح أكثر إرباكا وتعقيدا، وكأن السهم إذا أُطلق يعود ليصيب من أطلقه أو يثقل قلبه قبل جسده.
في التجربة السياسية، كثيراً ما يجد القادة أنفسهم أمام هذا النوع من “السهام القريبة”، تلك التي لا تأتي من الخصوم التقليديين، بل من شركاء أو حلفاء أو حتى من داخل البيئة ذاتها التي يفترض أنها سندٌ لا خصومة.
وهنا تكمن المأساة: هل يُقابل السهم بسهم؟ أم يُترك الجرح مفتوحاً على أمل ألا يتحول النزيف إلى حرب داخلية مفتوحة؟
في هذا السياق، يمكن قراءة ما واجهه رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني بوصفه نموذجاً لصراع “الإخوة الأعداء”، حيث تتقاطع المصالح وتتناقض الاصطفافات داخل البيت السياسي الواحد أو البيئة السياسية المتقاربة، فتتحول لحظة التفاهم إلى لحظة اختبار قاسية.
السوداني، وفق هذا التصور، لا يبدو في موقع الباحث عن التصعيد بقدر ما يبدو في موقع من يحاول كبح رد الفعل، حتى لو كان الثمن سياسياً أو شخصيا، مفضلًا أن يتعامل مع “السهم” بالاحتواء لا بالمثل، ومع الخلاف بالصبر لا بالقطيعة.
وهي معادلة ليست سهلة في واقع سياسي تتداخل فيه الحسابات وتتشابك فيه خطوط الولاء والخصومة.
ويستحضر هذا المشهد صورة الحارث بن وعلة مجددا، حين كان الألم نابعاً من الأقربين لا من الغرباء، وحين يصبح السؤال الأخلاقي والسياسي واحدًا: كيف يمكن للإنسان أن يرد على أذى يأتيه من “قومي” دون أن يتحول الرد إلى طعنة في جسده هو أيضا؟
إنها معادلة الإخوة الأعداء، حيث لا يكون الانتصار واضحا، ولا الهزيمة كاملة، بل يبقى الجميع عالقين بين سهمٍ أُطلق، وجرحٍ لم يلتئم، وقرارٍ صعب بين الصبر أو الرد.
وفي النهاية، تبقى الحكمة الأعمق في هذا السياق أن أخطر السهام ليست تلك التي تأتي من العدو البعيد، بل تلك التي تُطلق من يدٍ كان يُفترض أنها امتدادٌ ليدك، وأن السياسة—كما التاريخ—لا ترحم من لا يُحسن التعامل مع سهام الأقربين.
*
اضافة التعليق
قاسم عطا.. خيار أمني يعكس خبرة الدولة ورؤية الاستقرار
السوداني في ألف يوم.. بناء وإعمار وتطوير
نعيم العبودي: الهجمة على حكومة السوداني كانت غير منصفة
الحكمة وتقدّم تعلنان مرشحيهما للكابينة الوزارية.. والزيدي يواصل مراجعة الأسماء
(مثقف) يصفق قبل أن يرى!
السوداني يستعرض حصيلة حكومته: تحولات اقتصادية وخدمية واسعة واستثمارات تتجاوز 114 مليار دولار