الإطار التنسيقي على حافة  تنفيذ الانقلاب.. حين تغتال إرادة الناخب تحت لافتة “التسوية”

بغداد- العراق اليوم:

ما يجري في كواليس المشهد السياسي لم يعد مجرد خلافات عابرة أو تباينات في وجهات النظر، بل بات أقرب إلى مشروع انقلاب صامت على جوهر العملية السياسية، تقوده بعض قوى الإطار التنسيقي عبر أدوات ملتوية تتجاوز الدستور وتلتف على نتائج الانتخابات.

ففكرة “مرشح التسوية” التي يُعاد تسويقها اليوم ليست سوى بدعة سياسية مرفوضة، لا تستند إلى شرعية شعبية ولا تنبثق من صناديق الاقتراع، بل تُفرض كـ”كائن غريب” على جسد الديمقراطية العراقية، في محاولة لإعادة إنتاج السلطة بعيداً عن إرادة الناخبين. هذا الطرح لا يعكس سوى عجز بعض القوى عن القبول بقواعد اللعبة الديمقراطية، وسعيها للهيمنة عبر مسارات غير قانونية.

إن الدفع بهذا الاتجاه يمثل، بلا مبالغة، رصاصة الرحمة على الرأي الشعبي، وضربة قاصمة لمبدأ التداول السلمي للسلطة. 

حين تُفرغ الانتخابات من مضمونها، وتتحول إلى مجرد عرض مسرحي باهت تُحدد نتائجه خلف الأبواب المغلقة، فإن الرسالة التي تصل إلى الشارع العراقي واضحة وخطيرة: صوتك لا قيمة له، وإرادتك يمكن الالتفاف عليها متى ما تعارضت مع مصالح قوى بعينها.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ إذ إن الاستهانة بإرادة الناخب لا تعني فقط إضعاف الثقة بالعملية السياسية، بل تفتح الباب واسعاً أمام قطيعة شعبية مع النظام برمّته. الشارع الذي صبر طويلاً على الأزمات والتجاذبات، لن يقبل بسهولة أن يُعامل كمتفرج في مسرحية تُدار فصولها بعيداً عنه، ولا أن تُصادر خياراته تحت عناوين “التوافق” و”التسوية” التي لم تعد تنطلي على أحد.

ما يُطرح اليوم ليس مجرد خلاف سياسي، بل انقلاب كامل على نتائج صناديق الاقتراع، ومحاولة لتكريس منطق الأقلية المتحكمة التي تسعى لتشكيل ما يشبه “الدولة العميقة”، واضعةً الدستور والقانون والقضاء في مرتبة ثانوية أمام مصالحها الضيقة. إنها لحظة اختبار حقيقية لمصداقية النظام السياسي، ولقدرته على احترام قواعده التي قام عليها.

القضاء، بوصفه الحارس الأخير للدستور، مطالب اليوم بموقف حاسم لا يقبل التأويل، لوضع حد لهذه المهزلة السياسية قبل أن تتفاقم. فالصمت أو التردد في مواجهة هذا المسار قد يدفع البلاد إلى منزلقات خطيرة، خاصة في ظل احتقان شعبي متزايد وشعور واسع بأن نتائج الانتخابات تُضرب عرض الحائط.

إن الاستمرار في هذا النهج لا يعني سوى دفع الأمور نحو المجهول، حيث تتآكل الثقة، وتتعمق الفجوة بين الشارع والسلطة، ويصبح الحديث عن الاستقرار مجرد وهم. وفي لحظة كهذه، لن يكون السؤال عن من يحكم، بل عن بقاء العملية السياسية نفسها، بعدما فقدت معناها وشرعيتها في نظر مواطنيها.