السوداني واستراتيجيات الاعتدال في محيط إقليمي وسياسي متطرف.. كيف أصبحت الموازنة نهجاً في إدارة الدولة؟

رأي العراق اليوم  

في بيئة سياسية وإقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها المصالح الدولية والصراعات الإقليمية والاستقطابات الداخلية، برزت تجربة محمد شياع السوداني في رئاسة الحكومة بوصفها تجربة اعتمدت الاعتدال السياسي والمواقف المتوازنة في التعامل مع الملفات الداخلية والخارجية، ومحاولة تجنيب العراق تداعيات الصراعات المحيطة به.

لم يكن الاعتدال في نهج السوداني مجرد خطاب سياسي أو محاولة للوقوف على مسافة واحدة من الأطراف المختلفة، بل اتخذ شكل مقاربة تقوم على إدارة التوازنات، وفتح قنوات التواصل، وتغليب المصالح العراقية على حساب الاصطفافات الحادة. فقد تعاملت حكومته مع محيط إقليمي مضطرب، شهد توترات متصاعدة وتباينات في المصالح، مع الحفاظ على علاقات العراق مع مختلف الأطراف، وتجنب تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات.

الاعتدال في مواجهة الاستقطاب

داخلياً، واجه السوداني مشهداً سياسياً تتعدد فيه مراكز التأثير وتختلف فيه الرؤى والمواقف، الأمر الذي جعل الحوار والتفاهم بين القوى السياسية أحد المسارات المهمة في إدارة الدولة. واعتمدت حكومته على التواصل مع القوى الوطنية، ومحاولة احتواء الخلافات، وتوفير مساحة من التفاهم تسمح باستمرار المؤسسات الحكومية في أداء مهامها.

وكانت الموازنة بين القوى السياسية والاجتماعية حاضرة في إدارة الملفات الحكومية، انطلاقاً من أن استقرار الدولة لا يتحقق بإقصاء طرف أو تغليب اتجاه على آخر، وإنما ببناء مساحات مشتركة تتيح العمل وفق الأولويات الوطنية.

سياسة خارجية تحافظ على التوازن

على المستوى الخارجي، اتسمت مقاربة السوداني بمحاولة الحفاظ على علاقات متوازنة مع دول الجوار والقوى الدولية، في وقت كانت المنطقة تشهد تحولات أمنية وسياسية متسارعة.

فالعراق يرتبط بعلاقات ومصالح واسعة مع إيران ودول الخليج وتركيا والولايات المتحدة، وأي انحياز غير محسوب في ظل التوترات الإقليمية يمكن أن ينعكس على أمنه واقتصاده واستقراره. ومن هنا برزت أهمية الدبلوماسية العراقية القائمة على الحوار والتنسيق، وتجنب التصعيد، والتمسك بسيادة البلاد ومصالحها.

كما سعت الحكومة إلى توسيع الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، باعتبار أن العلاقات الدولية لا ينبغي أن تقتصر على التفاهمات السياسية والأمنية، بل يجب أن تتحول إلى مصالح اقتصادية وتنموية مستدامة.

الاستقرار بوصفه مدخلاً للتنمية

أحد أبرز أبعاد هذا النهج تمثل في الربط بين الاستقرار السياسي والقدرة على تنفيذ البرامج الحكومية. فالتنمية تحتاج إلى بيئة مستقرة، ومؤسسات قادرة على العمل، وعلاقات سياسية تسمح باستمرار المشاريع والخطط بعيداً عن الأزمات المتكررة.

وفي هذا السياق، اتجهت الحكومة إلى تقديم الملفات الخدمية والاقتصادية والاستثمارية بوصفها أولويات تتطلب استمرار العمل والتنسيق بين مؤسسات الدولة، مع التركيز على مشاريع البنية التحتية والطاقة والصناعة والإسكان والنقل.

إن أهمية الاعتدال السياسي هنا لا تكمن في تجنب الخلافات بحد ذاته، وإنما في القدرة على إدارة الاختلاف دون السماح له بتعطيل الدولة أو تحويله إلى صراع مفتوح ينعكس على حياة المواطنين.

الاعتدال ليس حياداً عن المصالح الوطنية

لقد أظهرت تجربة السوداني أن الاعتدال لا يعني التخلي عن المواقف الوطنية أو التنازل عن المصالح العراقية، بل يتطلب الجمع بين المرونة السياسية والتمسك بالثوابت الدستورية والسيادية. فالدولة تستطيع أن تحافظ على علاقاتها مع مختلف الأطراف، وفي الوقت نفسه تدافع عن قرارها المستقل وترفض أن تكون جزءاً من صراعات لا تخدم شعبها.

وبذلك، يمكن قراءة تجربة السوداني باعتبارها محاولة لبناء معادلة تجمع بين التوازن السياسي والانفتاح الدبلوماسي والاستمرار في تنفيذ البرنامج الحكومي، وسط محيط لا يخلو من التوترات والتحديات.

في المحصلة، كان الاعتدال أحد العناوين التي طبعت الخطاب السياسي لحكومة السوداني ومقاربتها للعلاقات الداخلية والخارجية. وتبقى قيمة هذه التجربة مرتبطة بمدى ما تحقق على أرض الواقع من استقرار مؤسسي، وقدرة على حماية المصالح الوطنية، وتحويل التفاهمات السياسية إلى نتائج اقتصادية وخدمية يشعر بها المواطن العراقي.