رأي العراق اليوم
تُعد عقلية «الجميع يقول ذلك» من أبرز مظاهر التفكير الجمعي، إذ يخشى البعض الخروج عن السرب، ويتبنى ما يردده الآخرون دون تمحيص أو تحقق، انطلاقاً من قناعة مفادها أن ما دام الجميع يتحدثون عن قضية معينة، فلا بد أنها صحيحة. وهكذا يجد نفسه يسير خلف القطيع، حتى وإن كان الطريق الذي يسلكه خاطئاً.
ومنذ فترة، تتكرر أحاديث عن أن الدولة استدانت خلال ثلاث سنوات مبلغ 210 تريليونات دينار، في رواية يبدو أن الهدف من تكرارها هو الإساءة إلى رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، الذي كان يحظى بقبول واسع لدى قطاعات مختلفة من المجتمع.
لكن اللافت أن هذه الرواية تتكرر رغم وجود بيانات وتقارير رسمية صادرة عن البنك المركزي واللجنة المالية النيابية، تتضمن أرقاماً وتوضيحات تكشف حقيقة الملف، وتؤكد أن المسألة ليست كما يصورها البعض.
فمبلغ الـ210 تريليونات دينار يمثل قيمة العجز الذي أقره مجلس النواب ضمن الموازنة الثلاثية، وبعلم وزارة المالية، وكان يمثل سقفاً متاحاً للاقتراض، وليس مبلغاً جرى اقتراضه فعلياً.
أما الاقتراض الذي جرى، فلم يتجاوز 30 تريليون دينار من إجمالي ذلك المبلغ.
وهنا يبرز سؤال مشروع: ماذا كان سيفعل غيره لو كان في الموقع ذاته؟
ولإيضاح الصورة بعيداً عن المزايدات والتأويلات السياسية، فإن اللجنة المالية النيابية أكدت في بياناتها ما يأتي:
- لا صحة للحديث عن وجود ديون داخلية بقيمة 208 تريليونات دينار.
- بلغ إجمالي الديون الداخلية التي تركتها الحكومات السابقة مجتمعة، حتى نهاية عام 2026، نحو 109 تريليونات دينار فقط.
- من بينها 70 تريليون دينار كانت ديوناً موروثة ومدورة من الحكومات السابقة، وانتقلت إلى حكومة السوداني.
- خفضت حكومة السوداني حجم الديون الخارجية إلى نحو 10 مليارات دولار.
وهذه المعلومات ليست أرقاماً صادرة عن جهة محسوبة على طرف سياسي معين، بل تستند إلى بيانات البنك المركزي وتقارير اللجنة المالية النيابية، بما يجعل من الضروري التعامل معها بوصفها أرقاماً رسمية تستحق القراءة والتدقيق قبل إطلاق الأحكام.
إن المشكلة لا تكمن في الاختلاف السياسي أو في انتقاد أداء الحكومات، فذلك حق مشروع، وإنما في تجاهل الوثائق والأرقام الرسمية، والاستمرار في ترديد معلومات غير دقيقة لمجرد أنها أصبحت متداولة على نطاق واسع.
إن الأرقام الرسمية هي الفيصل في تقييم الأداء الحكومي، وليست الحملات السياسية ولا كثرة تكرار الاتهامات.
قد يصدق البعض هذه المعلومات أو لا يصدقها، لكن الأهم أن يعرف الحقيقة قبل أن يردد ما يقوله الآخرون؛ فليس كل ما يتداوله الجميع صحيحاً، وليس السير خلف القطيع دليلاً على امتلاك الحقيقة.
*
اضافة التعليق
لانتفاعهما من الوظيفة العامة..النزاهة: الحكم بالحبس الشديد بحق عالية نصيف جاسم ورائد الجبوري •
الحزب الشيوعي العراقي يدعو مؤسسة الشهداء لتكريم الشهيدة عايدة ياسين مطر والكشف عن ظروف استشهادها
محمد شياع السوداني.. العقلانية السياسية وسعة الصدر في مواجهة ضجيج السجالات
هيئة النزاهة برئاسة محمد علي اللامي.. ملاحقة الفاسدين تبدأ من شبكاتهم ومصالحهم الاقتصادية
واشنطن تحذر بغداد من تداعيات عدم حصر السلاح بيد الدولة وتلوّح بعقوبات
وزير الكهرباء يبحث مع القائم بالأعمال الأمريكي مشاريع التحول الذكي لقطاع الكهرباء