هيئة النزاهة وأولويات الكشف عن الفساد وتقويم مؤسسات الدولة

رأي العراق اليوم  

لم تعد مكافحة الفساد في العراق مسؤولية جهة رقابية واحدة، بل أصبحت معركة مؤسساتية تتطلب تكامل الأدوار بين الأجهزة الرقابية ومؤسسات الدولة والجامعات ومراكز البحوث والنقابات والاتحادات، وصولا إلى بناء بيئة وطنية تجعل النزاهة والشفافية جزءا من ثقافة العمل العام.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور الذي تضطلع به هيئة النزاهة الاتحادية في الكشف عن مكامن الفساد، ومتابعة الملفات التي تمس المال العام، وتعزيز الإجراءات التي تسهم في تقويم أداء مؤسسات الدولة ومعالجة مواطن الخلل الإداري والمالي.

وتكتسب جهود رئيس الهيئة الدكتور محمد علي اللامي أهمية خاصة في الدفع باتجاه تطوير العمل الرقابي وتعزيز حضور النزاهة بوصفها منهجا مؤسسيا، لا مجرد إجراءات لاحقة لاكتشاف المخالفات. فالمعالجة الحقيقية للفساد تبدأ من تشخيص أسبابه، ومعرفة الثغرات التي تسمح بحدوثه، ثم العمل على إغلاق تلك الثغرات داخل المؤسسات.

ومن الأولويات المهمة في هذا المسار توسيع التعاون مع المؤسسات العلمية والجامعات ومراكز البحوث، والاستفادة من الخبرات الأكاديمية في دراسة ظواهر الفساد وتحليل أسبابها واقتراح الحلول القابلة للتطبيق. فالمعركة ضد الفساد تحتاج إلى المعرفة بقدر حاجتها إلى الإجراءات القانونية والرقابية.

كما أن إشراك النقابات والاتحادات المهنية يمكن أن يؤدي دورا مهما في نشر مبادئ الشفافية والمسؤولية، وتحويل النزاهة من مفهوم رقابي إلى ثقافة مجتمعية يشارك فيها الموظف والمهني والأكاديمي والمواطن.

إن نجاح هيئة النزاهة لا يقاس فقط بعدد الملفات التي تكشفها أو القضايا التي تحيلها، وإنما بقدرتها على المساهمة في منع تكرار الفساد، وتقويم المؤسسات، وترسيخ قواعد الإدارة الرشيدة، وتعزيز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة.

وهنا تكمن أهمية المرحلة المقبلة، إذ إن العراق بحاجة إلى منظومة نزاهة تتجاوز رد الفعل إلى الوقاية، وتنتقل من ملاحقة النتائج إلى معالجة الأسباب، وتفتح أبواب التعاون أمام الجامعات والمراكز البحثية والنقابات والاتحادات ومنظمات المجتمع المدني، من أجل بناء جبهة مجتمعية ومؤسساتية واسعة في مواجهة الفساد.

إن دعم جهود الدكتور محمد علي اللامي في هذا الاتجاه يعني دعم مسار مؤسسي هدفه حماية المال العام، وتقويم أداء مؤسسات الدولة، وترسيخ الشفافية، وجعل النزاهة معيارا أساسيا في الإدارة العامة، بما يعزز دولة القانون ويخدم المواطن العراقي.