بغداد- العراق اليوم: منذ أن بدأ الإنسان يسأل عن اللحظة الأولى التي ظهرت فيها الحياة على الأرض، ساد تصور علمي بسيط نسبيًا: حدثت البداية مرة واحدة، ثم انطلقت منها شجرة الحياة بكل فروعها.
دراسة علمية تقترح أن البكتيريا والعتائق لم تنحدرا من خلية حية واحدة، بل ظهرتا بشكل مستقل بعد نشوء شفرة وراثية مشتركة.. والبلاديوم ربما كان مفتاح تشغيل الكيمياء الأولى للحياة
لطالما افترض العلماء أن الحياة على الأرض بدأت مرة واحدة، ثم انطلقت منها جميع الكائنات الحية التي نعرفها اليوم. لكن دراسة جديدة تطرح تصورًا أكثر غرابة: ربما لم تبدأ الحياة مرة واحدة، بل مرتين، انطلاقًا من شفرة وراثية واحدة ظهرت أولًا في بيئة كيميائية سبقت ظهور الخلايا الحية نفسها.
وتشير الدراسة إلى أن أول تفرع كبير في شجرة الحياة، بين البكتيريا والعتائق (Archaea)، ربما حدث قبل أن تصبح أي منهما خلية مستقلة قادرة على الحياة بمفردها. وبذلك قد يكون ما يُسمى عادةً السلف المشترك الأخير لجميع الكائنات الحية (LUCA) لم يكن كائنًا حيًا بالمعنى التقليدي أصلًا.
الحياة بدأت قبل ظهور أول خلية؟ ينطلق التصور الجديد من سؤال جوهري في علم أصل الحياة: كيف ظهرت أول خلية قادرة على الاعتماد على نفسها؟
السيناريو التقليدي يفترض أن مواد بسيطة مثل السكريات والأحماض الأمينية والمركبات الغنية بالفوسفات اجتمعت في بيئة مناسبة، ربما حول الفوهات الحرارية المائية في أعماق المحيطات، لتنشأ جزيئات أكثر تعقيدًا، ثم الحمض النووي الريبي (RNA)، قبل أن تبدأ عملية التكرار والتطور التي قادت في النهاية إلى أول خلية.
لكن الباحثين بقيادة ناتاليا مرنجافاك من جامعة هاينريش هاينه في دوسلدورف، يرون أن القصة ربما كانت أكثر تعقيدًا.
فبدلًا من ظهور خلية أولى واحدة ثم انقسامها إلى سلالات مختلفة، تشير تحليلاتهم إلى أن سلالتي البكتيريا والعتائق ربما بدأتا الانتقال إلى نمط الحياة الحرة بشكل مستقل.
أي أن المادة الوراثية ونظام التفاعلات الكيميائية ربما ظهرا أولًا، بينما جاءت الخلايا الحية لاحقًا.
«أصل واحد للشفرة الوراثية.. وأصلان للحياة» يقول الباحثون إن المقارنة بين البكتيريا والعتائق تكشف اختلافات عميقة في بنيتها البروتينية ومساراتها الأيضية، إلى درجة يصعب معها تفسير بعض هذه الاختلافات باعتبارها نتاجًا لتطور حدث داخل خلية سلف واحدة.
وقام الفريق بتحليل 420 تفاعلًا كيميائيًا مبرمجًا في الخلايا الحديثة، وهي التفاعلات التي تبني المركبات الضرورية للحياة انطلاقًا من مواد أبسط.
واللافت أن الإنزيمات التي تقوم بهذه التفاعلات اليوم ليست محفوظة بالطريقة نفسها بين البكتيريا والعتائق. ووفق الدراسة، فإن السلف المشترك المفترض كان يمتلك إنزيمات لنحو نصف هذه التفاعلات فقط، بينما كان النصف الآخر يعتمد على محفزات غير عضوية موجودة في البيئة المحيطة.
وهنا تظهر الفكرة الأكثر إثارة في الدراسة: ربما لم تكن هناك خلية واحدة اسمها LUCA انطلقت منها كل الحياة، وإنما منظومة كيميائية تحتوي على شفرة وراثية ناشئة، ثم تحولت سلالتان منها بشكل مستقل إلى خلايا حية حقيقية.
المعادن.. الآلات الأولى التي شغّلت الحياة إذا صحت هذه الفرضية، فإن الحياة المبكرة لم تكن تعتمد على الإنزيمات كما تفعل الكائنات الحديثة، لأن الإنزيمات نفسها تحتاج إلى منظومة بيولوجية متطورة لإنتاجها.
وبدلًا من ذلك، يمكن أن تكون المعادن الموجودة طبيعيًا في البيئة قد قامت بدور المحفزات التي سمحت للتفاعلات الكيميائية الأساسية بالحدوث.
ويعتقد الباحثون أن هذه المرحلة الانتقالية شهدت اعتماد الأنظمة الأولى على المعادن، قبل أن تبدأ الكائنات البدائية في تطوير إنزيمات أكثر دقة لتحل محلها.
فالإنزيمات تمتلك ميزة مهمة للغاية: تستطيع توجيه تفاعل كيميائي محدد بدرجة أكبر بكثير من المعادن، التي قد تحفز مجموعة واسعة من التفاعلات في الوقت نفسه.
البلاديوم.. المعدن النادر الذي ربما ساعد الحياة على الانطلاق لكن الدراسة تطرح عنصرًا أكثر غرابة: البلاديوم. فهذا المعدن النادر، الذي يعد اليوم من أغلى المعادن في العالم، يمكنه تحفيز تفاعلات كيميائية مرتبطة بمركبات الفوسفور، ويرى الباحثون أنه ربما أدى في الأرض المبكرة دورًا يشبه الدور الذي تؤديه اليوم منظومة ATP والإنزيمات في توفير الطاقة اللازمة لبعض التفاعلات الأيضية.
وهنا تكمن المفارقة: المعدن الذي قد يكون ساعد الكيمياء الأولى للحياة على الانطلاق نادر للغاية اليوم، ولا يمكن أن يكون أساسًا لاستمرار الحياة الحديثة على نطاقها الهائل.
لكن الباحثين لا يحتاجون إلى افتراض وجود كميات ضخمة منه لدعم فرضيتهم؛ فربما كان دوره في البداية مجرد توفير دفعة كيميائية أولى سمحت بتكوين مركبات أكثر تعقيدًا، قبل أن تتولى مواد وعمليات أكثر شيوعًا المهمة. الحديد والنيكل توليا المهمة بعد ذلك ومع ازدياد تعقيد الأنظمة الكيميائية، ربما بدأت معادن أكثر وفرة مثل الحديد والنيكل في المشاركة في مجموعة أخرى من التفاعلات.
لكن هذه المعادن، مثل غيرها من المحفزات غير العضوية، لم تكن دقيقة بما يكفي. ولذلك أصبحت الإنزيمات، مع تطور الحياة، أكثر كفاءة في التحكم بالتفاعلات الكيميائية.
وتقترح الدراسة أن البكتيريا والعتائق طورتا بشكل مستقل إنزيمات مختلفة بنيويًا تؤدي أحيانًا الوظيفة الأيضية نفسها، وهو ما يدعم فكرة أن السلالتين سلكتا مسارين مستقلين نحو الحياة الخلوية.
لماذا ترجح الدراسة الفوهات الحرارية المائية؟
تعزز هذه الفرضية مكانة الفوهات الحرارية المائية في أعماق المحيطات باعتبارها واحدة من أبرز المرشحين لمهد الحياة.
فهذه البيئات تجمع المياه والحرارة والمعادن ومجموعة متنوعة من المركبات الكيميائية، ما يجعلها أكثر ملاءمة للسيناريو المقترح من بيئات فقيرة بالمعادن مثل البرك والمسطحات المائية السطحية.
وفي هذا التصور، لم تكن الحياة تنتظر ظهور خلية مكتملة فجأة، وإنما كانت الكيمياء تتطور تدريجيًا داخل بيئة غنية بالطاقة والعناصر، حتى أصبحت هناك منظومات وراثية وكيميائية قادرة على الاستمرار، ثم ظهرت الخلايا المستقلة.
ماذا يعني ذلك لشجرة الحياة؟
إذا ثبتت هذه الفكرة، فإنها لا تعني أن البشر والحيوانات والنباتات لا يجمعها أصل بعيد مشترك، بل تعيد تعريف النقطة الأولى في شجرة الحياة.
فبدلًا من تصور شجرة تبدأ من كائن حي واحد اسمه LUCA ثم تتفرع منه جميع السلالات، قد تكون جذور الشجرة أقدم وأكثر ضبابية: شفرة وراثية واحدة، وكيمياء بدائية مشتركة، ثم ظهور أكثر من سلالة حية مستقلة.
وبعبارة أبسط، ربما لم تكن الحياة في بدايتها كائنًا واحدًا ينتظر أن يتطور، وإنما كيمياء تتعلم كيف تصبح حياة.
وتبقى الفرضية بحاجة إلى مزيد من الأدلة، خصوصًا أن أصل الحياة من أكثر الأسئلة العلمية تعقيدًا، لكن الدراسة تقدم تصورًا جديدًا ومثيرًا: ربما لم يكن السؤال الصحيح هو «ما أول كائن حي؟»، بل «متى أصبحت الكيمياء حياة؟»
*
اضافة التعليق
غوغل تتحدى سامسونغ بهاتفها الجديد القابل للطي
أبل تستعد لقلب الطاولة.. ساعة دائرية وجهاز صحي بلا شاشة
OpenAI تؤجل إطلاق نموذج "أسترا" بعد مخاوف من قدرته على شن هجمات سيبرانية ذاتيا
معركة البقاء.. هل يكتب الذكاء الاصطناعي الفصل الأخير في الصحافة التقليدية؟
هل رش العطر على الرقبة يوميا يسبب السرطان والعقم حقا؟
ترتيب الأجهزة الأكثر استهلاكًا للكهرباء.. من يلتهم فاتورتك؟