حاربنا البديل.. فأغلق علينا هرمز  ..!

بغداد- العراق اليوم:

بقلم / ضفاف الفراتين/ كاتب وباحث وأكاديمي

الأزمة لا تبدأ عندما يُهدد بإغلاق مضيق هرمز، الأزمة بدأت قبل ذلك بكثير، في اليوم الذي قررنا فيه أن نُدير الدولة بعقلية ردة الفعل لا بعقلية الاستشراف. اليوم العالم يتشاجر حول ممر مائي لا نملك شبراً منه، وفوجئنا نحن بالخطر. ليس لأننا طرف في الصراع، بل لأننا لم نفكر كيف نضع الأسس لعدم انهيار البيت عندما تهب العاصفة.

لعقود تعاملنا مع النفط كقدر لا كخيار. تحدثنا عن تنويع الإيرادات في البيانات والخطط، لكن على الأرض بقينا رهائن لممر واحد ولمنتج واحد. هذا ليس قدراً جغرافياً فقط، هذا قرار سياسي واقتصادي متراكم. قرار بتأجيل البناء وتأجيل البدائل وتأجيل التفكير حتى نواجه الصدمة.

وعندما جاءت حكومة السيد محمد شياع السوداني وقررت كسر هذه الحلقة، وضعت مشاريع البنية التحتية والربط الإقليمي على الطاولة. كان أبرزها المضي بجدية في مشروع أنبوب النفط إلى العقبة. الأنبوب يعني تعدد المنافذ، يعني تقليل المخاطر، يعني أن العراق قادر أن يُصدر حتى لو تعطلت منافذه الجنوبية. وهو امتداد عملي لمشروع طريق التنمية الذي يهدف لجعل العراق ممراً للطاقة والتجارة لا مجرد مصدر خام.

لكن هذه هي مأساتنا التي أوصلتنا إلى هذه النتيجة. أننا حاربنا البديل. فبدل أن نناقش الجدوى الاقتصادية والفنية للأنبوب، انشغلنا بالتسقيط. وبدل أن نُسرّع بالبناء، بقينا نراهن على هدوء إقليمي لا نملك ضماناته. حاربنا الحل بأيدينا، فتفاجأنا بالمشكلة.

وهنا يظهر الخلل البنيوي. الدول تُقاس بقدرتها على إدارة المخاطر قبل وقوعها. وهذا الفرق هو ما يحدد مدى صلابة الدولة في مواجهة الأزمات. أما نحن فما زلنا نُدير الأزمات بعد وقوعها. عندما يرتجف سوق الطاقة العالمي، يتأثر اقتصادنا. وعندما يتوتر المضيق، تتأثر معيشة المواطن مباشرة. ويعتبر المواطن الخاسر الأكبر، علماً أن المواطن لا يناقش مسألة مضيق هرمز لأنها مسألة سياسية اقتصادية دولية تتعلق بالتوترات في المنطقة. المواطن يفكر بتوفير احتياجاته اليومية من راتب ودواء وخدمة. ولهذا يجب أن تكون هنالك رؤية حكومية واضحة لحماية أمن المواطن المعيشي قبل التفكير بأي ردود.

اليوم لم يعد مقبولاً تأجيل الحلول. المطلوب من الدولة موقف يقوم على قاعدتين:

أولاً: حماية مصدر الدخل الحالي بكل الوسائل الدبلوماسية والقانونية لأنه شريان الحياة.

ثانياً: تسريع تنفيذ البدائل التي بدأتها الحكومة، وعلى رأسها أنبوب العقبة وطريق التنمية، وتحويلها من مشاريع على الورق إلى أمر واقع على الأرض.

القوة الحقيقية للدولة لا تقاس بقدرتها على اتخاذ القرار تحت الضغط، بل بقدرتها على بناء الخيارات التي تجعل الضغط بلا أثر. وهذا هو جوهر الانتقال من دولة تدير الأزمات إلى دولة تصنع الاستقرار.

لأن التجربة التاريخية أثبتت أن الأوطان التي نجت من العواصف لم تنجُ بالصدفة. نجت لأنها فكرت بالأزمة قبل أن تأتي. وبنت البدائل قبل أن تُغلق الأبواب.