في ذكرى رحيله.. كيف مهدت "الصدفة" طريق عمر الشريف للعالمية؟

بغداد- العراق اليوم:

تحلّ هذه الأيام ذكرى رحيل عمر الشريف الذي أصبح أول فنان عربي يطرق أبواب هوليوود بقوة ويتربع على عرش النجومية، بعد إرث سينمائي لا يزال الجمهور من مختلف الدول يتفاعل معه حتى اليوم. 

واللافت أن سلسلة من المصادفات غيّرت مسار حياته بالكامل، وحولت الممثل المصري الشاب إلى أول نجم عربي يفرض حضوره على الشاشة العالمية، ويقف إلى جوار أشهر نجوم السينما في الستينيات والسبعينيات.

والمدهش أنه لم يتخل عن هويته أو ملامحه الشرقية، بل جعلهما مصدرًا لتميزه، إذ جمع بين الموهبة الفطرية والثقافة الواسعة والقدرة على التأقلم مع مدارس تمثيل مختلفة، ليصبح أيقونة سينمائية لا يزال العالم يتذكرها حتى اليوم.

الصدفة التي غيرت كل شيء 

جاءت نقطة التحول الكبرى عندما كان المخرج البريطاني الشهير ديفيد لين يبحث عن ممثل يجسد شخصية "الشريف علي" في فيلم "لورنس العرب". 

وبعد تعثر اختيار الممثل المناسب، وقع بصره على عمر الشريف، دون تخطيط سابق، فأعجب بحضوره الهادئ وملامحه الشرقية وإجادته للغات الأجنبية، ليمنحه الدور الذي فتح له أبواب العالمية.

حقق الفيلم نجاحًا هائلًا، ونال الشريف عنه ترشيحًا لجائزة الأوسكار عن أفضل ممثل مساعد، كما فاز بجائزة "جولدن جلوب"، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة في حياته المهنية، إذ أصبح أحد أكثر الممثلين طلبًا في الإنتاجات الدولية، وشارك في أعمال ضخمة مع كبار المخرجين والنجوم.

ولم يكن نجاحه مجرد ضربة حظ، إذ عرف كيف يستثمر الفرصة، فحرص على تطوير أدواته، وأثبت في كل عمل أنه ممثل قادر على التنقل بين الشخصيات والثقافات المختلفة، حتى تحول إلى اسم مألوف لدى جمهور السينما في أوروبا وأمريكا.

لماذا هو تحديدا؟ 

امتلك عمر الشريف مجموعة من الصفات التي جعلته مختلفًا عن أبناء جيله، فقد أتقن الإنجليزية والفرنسية بطلاقة، وهو ما سهل اندماجه في السينما العالمية، كما تميز بحضور هادئ يعتمد على نظرات العين وتعبيرات الوجه أكثر من الانفعال المبالغ فيه.

رفض أن يكون أسيرا لنمط واحد من الشخصيات، كما نجح في تقديم الأدوار التاريخية والرومانسية والدرامية، واستطاع أن يمنح كل شخصية خصوصيتها، وهو ما جعل كبار المخرجين يثقون في قدرته على تقديم أدوار رئيسية في أفلام ضخمة. 

كما عُرف بثقافته الواسعة وشغفه بالقراءة، وهو ما انعكس على اختياراته الفنية وطريقته في التعامل مع الشخصيات المركبة.

ومن أشهر افلامه في هذا السياق: 

لورانس العرب 

 تدور أحداثه حول الضابط البريطاني توماس إدوارد لورنس خلال الثورة العربية الكبرى، ويجسد عمر شخصية "الشريف علي"، التي تحولت إلى واحدة من أشهر الشخصيات في تاريخ السينما.

دكتور جيفاغو

يعتبره كثيرون أهم أفلامه على الإطلاق،  وفيه قدم شخصية الطبيب والشاعر الروسي يوري جيفاغو، الذي يعيش قصة حب معقدة على خلفية الثورة الروسية. 

حقق الفيلم نجاحًا عالميًا هائلًا، ورسخ مكانة الشريف كنجم من الصف الأول، كما نال عنه جائزة "جولدن جلوب" لأفضل ممثل. 

فتاة مرحة 

شارك في هذا الفيلم النجمة الأمريكية باربرا سترايسند، وقدم شخصية "نيكي أرنشتاين"، فقد حقق العمل نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، وأثبت قدرة الشريف على التألق في الأفلام الرومانسية والاستعراضية، كما أسهم في توسيع شعبيته داخل الولايات المتحدة.

الميلاد والنشأة

وُلد عمر الشريف، واسمه الحقيقي ميشيل ديمتري شلهوب، في مدينة الإسكندرية في 10 أبريل 1932، لأسرة ميسورة تعمل في تجارة الأخشاب. 

تلقى تعليمه في "كلية فيكتوريا"، إحدى أعرق المدارس في مصر، قبل أن يلتحق بجامعة القاهرة ويدرس الرياضيات والفيزياء، كما عمل بعد تخرجه لفترة قصيرة في تجارة العائلة، إلا أن شغفه بالفن كان أقوى، فترك عالم التجارة واتجه إلى التمثيل. 

جاءت بدايته الفنية الأولى عام 1954 عندما اختاره المخرج يوسف شاهين لبطولة فيلم "صراع في الوادي"، وهو الفيلم الذي صنع نجوميته، كما شهد بداية قصة حبه الشهيرة مع فاتن حمامة، التي انتهت بالزواج لتصبح واحدة من أشهر قصص الحب في تاريخ السينما العربية.

عصبية شديدة وآراء حادة 

بعيدًا عن الشاشة، عُرف عمر الشريف بشخصيته الحادة وصراحته التي لم تكن تعرف المجاملة، وهو ما وضعه في العديد من المواقف الجدلية والأزمات. 

ومن آرائه في هذا السياق، أنه أكد في أكثر من مناسبة أنه لم يكن يعتبر نفسه عاشقًا لمهنة التمثيل بقدر ما كان يستمتع بالتحدي الذي تمنحه الأدوار الجيدة، وهو تصريح أثار استغراب كثيرين من جمهوره.

كما اعترف بأن الشهرة العالمية كانت لها كلفة باهظة، إذ أبعدته عن حياته الأسرية وأسهمت في انهيار زواجه من فاتن حمامة، وهو ما وصفه لاحقًا بأنه أحد أكبر أخطاء حياته.

ولم يتردد أيضًا في انتقاد عدد من نجوم هوليوود، مؤكدًا أن الشهرة لا تعني بالضرورة امتلاك الموهبة، كما عُرف بعصبيته الشديدة في لقاءاته الصحفية، ودخوله في مشادات مع بعض الصحفيين.